التحصين الثقافي
سيد يوسف


الاختلاف بين الأمم أمر ضروري حتمته الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية التى تتحرك الشعوب فى فلكها أفرادا وجماعات …والاختلاف الايجابي يدعو إلى التجديد والإبداع والابتكار ويدفع الحياة الإنسانية إلى التطور والتقدم…ولا يتم ذلك إلا بضوابط لا تخطئها عيون الفاقهين منها الانفتاح المحسوب على الأمم الأخرى أخذا وعطاء دون تذاوب أو اندماج يلغى خصائصنا بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية…فما بال أمتنا صارت تفكر بطريقة الدخول فى جحور الضباب؟!
فحين نتلفت نبحث عن الأمم الأخرى من حولنا نجد كثيرا من الأمم أبقت على خصائصها الثقافية متحصنين بتراثهم وقيمهم وغالبا ما تكون تلك القيم قيم إنسانية فالهند والصين واليابان ما تزال متحصنة ببعض تراثهم رغم قسوة الحملات التغريبية شأنها شأن بلادنا العربية إلا قليلا، وحين ندعو قومنا للمحافظة على تراثهم محافظة بصيرة واعية فإننا لسنا بدعا بين الأمم، وحينما ننفتح على الأمم الأخرى فإننا نرجو أن يكون انفتاحنا محسوب بضوابط دقيقة بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية كما ذكرنا آنفا.
وحين نتلفت ننظر ما أصاب أمتنا نجد عجبا ويكفى أن نلقى نظرة لأحوالنا الداخلية فى مصر على سبيل المثال سوف نجد أخلاطا لا رابط بينها ففى مصر كما يقول توفيق الحكيم تعليم أجنبى وحكومى وأزهرى ودرعمى وجامعى وخارجى، ولدينا أحياء أوربية وأحياء وطنية وأحياء مختلطة ولدينا مطربشون ومعممون وحفاة ومحتذون ومقبقبون ولابسو الزى الإفرنجى والزى البلدى والزى المختلط أى طربوش ومعطف وجلباب أو طاقية وبيجامة وقبقاب …كل هذا الخلط فى الأوضاع والتعليم والتربية والإطار الذى يعيش داخله الناس فى بلادنا جعل لهم بالضرورة عقليات مختلفة كل عقلية تفكر تفكيرا خاصا وترى الدنيا من زاوية منفردة.
صرنا نجتهد فى التشبه بالغرب تشبها أعمى لا بصيرا ويا ليت قومى تشبهوا بهم فى الإبداع والابتكار وفى كسب الدنيا وفى اكتساب المعارف والعلوم وفى تحصيل أسباب التكنولوجيا إلا أنهم تفننوا فى تقليد الغرب فى كل شيء سوى ذلك وصاروا يتتبعون سنن الغرب حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلوه عن عمى وتقليد غبى ومما يغيظ النفس أن ترى بعضهم يرى التقدم فى الشكل لا المضمون ويرى الأخذ عن الغرب فى المظاهر لا فى التكنولوجيا والمعارف!!
وفى هذا الصدد نتفهم تحذير النبى صلى الله عليه وسلم لنا من هذا السير حين قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك ؟ رواه البخاري.
مقترحات لتفعيل التحصين الثقافى
وقد يقول قائل: حسنا، قد علمنا فماذا نفعل؟ وهو تساؤل واع نرجو له جوابا عمليا تتصدر المشهد فيه أمتنا بمجموع مفكريها المخلصين لا أدعياء التفكير البلهاء وهم للأسف كثر فى مياديننا الإعلامية، وهذى مقترحات عساها تسهم فى تحصين ثقافى ايجابي مستمر:
1/ دراسة الخطاب الإلهى كما هو فى منابعه الصافية وأقصد بذلك الوحى القرآنى فى التعرف على معرفة تاريخ الحضارات وأسباب قيامها وسقوطها والتعرف على أسباب نهضتها…وفى هذا الصدد نتفهم قوله تعالى {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} الأنعام11، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ }النمل69، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20
2/ إنشاء فرع من فروع الثقافة الإسلامية يسمى مرحليا بفقه السنن الحضارية يه
المزيد