قراءة فى إضراب عمال المحلة
سيد يوسف

هو إضراب مصرى صميم لا محلى مرتبط بالمحلة وحدها رأى فيه بعض الفاقهين أنه بمثابة بروفة لما هو قادم، ويدرك ذلك النظام الحاكم لكنه يتغابى أو ربما كان بالفعل غبيا، وهناك لا شك عدة ملاحظات يمكن تسجيلها على النحو التالى:
1/ عوامل النجاح
هل نجح الإضراب أم لا ؟ ذاك سؤال لا يعنينى قدر ما يعنينى توكيد عدة نقاط منها :
* الشارع قد تحرك ومن دون الإخوان.
* المستقبل لجيل/ شباب المدونات رغم قلة خبراته وممارساته السياسية...وصارت البوصلة قريبة منهم.
* استمرار مناخ الكبت والقهر والتزوير الى زوال لا محالة.
* الأمور فى تصاعد مستمر ولعل فى اقتراح إضراب 4 مايو كهدية لعيد ميلاد مبارك ما يؤكد ذلك.
* مخطط التوريث يسير إلى سراب خشية تكرار مثل تلك الاضرابات.
* المصريون سعداء بهذا الحراك السياسى .
* هذا الحراك أثمر خفضا فى الأسعار نسبيا، وحصول بعض الفئات على بعض حقوقها، ودراسة جادة من الحكومة لوضع حد أدنى للأجور، وخوفا حقيقيا بدت ملامحه فى تناول الإعلام المصرى له...وهى ثمرات تؤكد فشل وغباء النظام حكومة وقيادة وهو ما ينبئ بإقالة نظيف قريبا لأنها حكومة تتحرك بعد فوات الأوان، وماذا يفيد قرار سليم فى توقيت خاطئ؟!!
وهذه المفردات جميعها تنبئ بنجاح الإضراب حتى وإن أنكر ذلك الذين لا نأبه لهم من هتيفة النظام وأعوانهم، كما تنبئ بأن المستقبل يحمل ملامح جديدة على التحليل، وبميلاد جيل عصى على التجاهل كقوة محركة للشارع المصرى فتكرار – واحتمالية نجاح- مثل تلك الإضرابات يعزز قدرات هذا الجيل وتلك المدونات التى سحبت البساط من صحف الحكومة المنافقة.
2/ لماذا يتهم المصريون الشرطة بإحراق المحلة؟
ثمة عوامل تدفع المصريين للقول بأن أحداث الشغب بالمحلة وراءها الأجهزة الأمنية من ذلك ما يلى:
* استخدام الأمن للقوة المفرطة مع الأهالي والمواطنين فى مقابل استخدامه للقوة الناعمة مع مثيرى الشغب.
* ما أكده غير شاهد عيان بأن الذين يثيرون الشغب بالمحلة شوهدوا من قبل فى انتخابات 2005
* فكرة الاستعانة بالبلطجية ومسجلى الخطر قد خبرها الناس فى الأمن سواء فى ( يوم الاستفتاء الأسود أو فى أحداث عين شمس 2006 أو فى انتخابات 2005 أو حتى فى منع المرشحين فى انتخابات المحليات2008)
* ما رواه شهود العيان والتقطته كاميرات الموبايل من أن الأمن هو الذى حطم عربات الأمن المركزى.
ورغم أن هذه استنتاجات لا ترقى لمستوى الأدلة لا سيما فى ظل وجود تحليلات أخرى ( أحداث العنف رد فعل شبابى لاستخدام العنف المفرط من قبل الأمن/ هذى فوضى غير محسوبة المخاطر/ بعض الحركات وراء تلك التخريبات/ وجود علاقة ما بين تلك التخريبات وبين استهداف خارجى ....) ورغم ميل الناس لتصديق أن أجهز الشرطة وراء ذلك إلا أنه يبقى السؤال الأهم: ما مصلحة النظام الحاكم فى حرق الأخضر واليابس هكذا إن صدق هذا الفرض؟
بعضهم يرى أن بهذا التخريب وبهذا الشغب قد اكتسب النظام مبررا يمنع به أمثال تلك الاضرابات والاعتصامات لاحقا إذ صارت لفظة الإضراب وهى المشروعة قانونا لفظة سيئة السمعة وتستدعى مشاهد التخريب والتدمير فى ذاكرة الناس ومن ثم القتل والإفراط فى العنف المضاد من قبل الشرطة لحفظ الأمن، كما يمكنه هذا الشغب من بسط القبضة الأمنية على المحلة تحديدا وغيرها من المدن، ويمكنه من فرض قانون الإرهاب المزمع مناقشته قريبا بمجلس الشعب...ويمكنه أيضا من التعامل بقسوة فى حال نشوب تلك الإضرابات مستقبلا لا سيما كما هو متوقع حال طرح نجل مبارك لخلافة والده.
خاتمة وملاحظات
إضراب 6 أبريل صار يوما مصريا كأحداث انتفاضة يناير شاء من شاء وتعامى من تعامى وهو يوم يحسب فيه للمصريين تحركهم، صحيح أنه تحرك منقوص لكنه يبقى كالنواة أو كالشرارة التى يمكن إشعالها بعد حين.
فى رسالة واضحة الملامح بدا للجميع أن حاجز الخوف من الأمن فى طريقه إلى الزوال وذاك أمر بدهى ذلك أن كثرة الضرب تزيل الرهبة كما كثرة الخوف تجرىء المقهورين...ولعل القدر يهيئ المصريين لأمر جلل فى السنوات القليلة المقبلة.
نجاح الإضراب وانتشار دويه يفرض على الحركات المخلصة أو حتى الأفراد المخلصين ضرورة تبنى ما يلى:
* ضرورة تحريك الكتلة الصامتة عبر عدة مقترحات منها (إثارة الوعي الايجابي الفعال من خلال: تغيير لغة خطاب الجماهير ليناسب احتياجات وآمال الطبقة الوسطى دون تخدير ولا تزييف، وتقديم نماذج بشرية صالحة للإقتداء لا تتاجر بآلام المصريين، وتنمية الوعي السياسي لدى تلك الفئات من خلال المسيرات والمؤتمرات ووسائل الإعلام المتاحة، وفضح وتعرية العتاة الجبارين بفضح مسالكهم وكشف زيفهم، ومد جسور الثقة للفئة الوسطى تمهيدا للانتقال بهم نحو العمل الفعال –و- المستمر، وتبصير الفئة الوسطى أن المعركة معركتهم ومن أجل أبنائهم وأن التقصير في ذلك خيانة للشرف وللوطن .
* ضرورة الانتقال من مرحلة التظاهرات إلى مرحلة البرامج وبمعنى آخر الانتقال من مرحلة الدفاعية وردود الأفعال إلى مرحلة المواقف الفاعلة، والوصول إلى مرحلة فرض الطرح بضغوط شعبية جماهيرية ...وهذا يستلزم رؤية متكاملة تعنى بتغيير أسلوب الخطاب ليناسب الجماهير باختلاف شرائحها ( من الشكل إلى المضمون)، والضغط على المشاكل الاقتصادية، والضغط لمواجهة قضايا الفساد، وعدم الدخول فى معارك جدلية جانبية، وبث روح الأمل فى التغيير لدى الناس، وتوظيف رفض الناس والجماهير للفساد فى صناعة رمز/ بديل مؤقت مقترح ضد مبارك ونجله، ودراسة أخطاء الحركات الشبيهة مع عدم الوقوع فى نفس تلك الأخطاء...وغير ذلك ( حسبما يدرسه الفاقهون).
* الاستعداد للتضحية بالنفس وبالوقت وبالمال وببعض الحرية فما نال الحرية والمجد الكسالى الذين يريدون أن يضحى الآخرون من أجلهم، فمصر ملكنا جميعا ويعجبنى قول د/ محمد السيد سعيد: لا يوجد نضال مجاني ولن نستطيع انتزاع الديمقراطية السياسية والاجتماعية دون تضحيات ورموز عظيمة للشجاعة والفداء. وسوف يمنحنا ذئاب الدولة هذه الرموز وهم يقومون بالشيء الوحيد الذي يتقنونه وهو القمع فهم لم يعلموا ولم يتعلموا أن القمع لم يعد يجدي. انتهى
* وأذكر اليائسين من قومى بأن للإصلاح دوافع شتى منها قوة الواجب، ومنها الأمل فكثير من أبناء هذا الوطن لم يفقدوا انتماءهم ولا ولاءهم المتجذر لوطنهم ولقومهم وهم حين يخدمون قومهم ووطنهم أو يحاولون النفع فإنما يدفعهم الأمل لأن تكون أوطانهم فى رفعة وتقدم ونهوض ولكن ماذا حين يرى الناس الاعتقالات والتعذيب والحرق والغرق والقتل؟ ماذا حين يرون المفسدين هم أكابر القوم، ويرون المخلصين فى غياهب المعتقلات؟ ماذا حين يفقدون الأمل فى تحسن أوضاع بلادهم؟! أقول: حين يفقد بعضنا الأمل فى الإصلاح فلا مناص من خدمة قومنا وأوطاننا بقوة الضمير، إنى لأعلم أناسا يدفعهم ضميرهم وقوة واجبهم لخدمة قومهم ووطنهم حتى لو ازدادت الأوضاع سوادا، وتدهورت أحوال البلاد لما تراه أعين الناس الآن سواء على المستوى المحلى أو الإقليمي أو حتى العالمى من سيطرة المادة وتوحش الباطل وتغول الرأسمالية، أكرر إذا فقدنا الأمل فليبق لنا قوة الضمير والحق الذى نحمله ولو من أجل أبنائنا للدفاع عن حقوقنا وثرواتنا وقيمنا وتراثنا.
سيد يوسف
وصلات للموضوع
كتبها sayed yusuf في 03:36 صباحاً ::
المحلة وحصاد ما زرعة الحزب الحاكم ـ د. أحمد دراج
د. أحمد دراج : بتاريخ 9 - 4 - 2008
ما أن يرتكب النظام المصري كارثة إلا وتخرج علينا أسراب الأقلام من أوكارها في الصحف الحكومية وينطلق البعض من جحور القنوات الأرضية والفضائية لكيل الاتهامات وتوزيع الجرائم بالجملة والقطاعي في كل حدب وصوب عدا الاتجاه الوحيد الصحيح وهو اتجاه الحزب الوطني راعي.
ولم تعد حيل ومغالطات النظام وحزبه تخيل لا على الصغير ولا على الكبير، فلعبة الاتهامات سابقة التجهيز ضد ما يسمونه بالتيارات غير الشرعية تارة أو الغوغائيين والبلطجية المأجورين تارة أخرى أو إلقاء التهمة على الشباب الطائش المتهور أو التدخلات الأجنبية أو القوى السياسية المتربصة كل هذا صار من تراث الماضي وهو محض التفاف وتغييب لأهم التساؤلات مثل : من الذي بادر بمهاجمة العمال والمواطنين المتظاهرين سلميا في أول الأمر ؟ ولماذا لم يرتكب هؤلاء المتظاهرون عملا خارجا قبل اعتداء الأمن المركزي بوحشية عليهم وضربهم بالعصي المكهربة والقنابل المسيلة للدموع ؟ ومن الذي أطلق الرصاص المطاطي الحي ضد سكان المدينة بغزارة وأصاب المئات وقتل طالبا يقف في شرفة منزله بالجمهورية ؟
الكلام عن البلطجية وتحميلهم المسئولية كلام مستهلك ومن باب سد الذرائع أمنيا وسياسيا بعيدا عن قراءة وتحليل أحداث الإضراب وما ستخلفه من آثار لن تنمحي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتشير بلا مواربة أو تزويق أن ما حدث في المحلة الكبرى بروفة أولية وستتكرر – للأسف الشديد- شئنا أم أبينا مادامت أمور الشعب ومصالحه تدار بعقلية تجار الأرنس والسماسرة وجهابذة المعالجات الأمنية، وإلى أن يفيق هؤلاء المتغطرسون من غفوتهم على دوي مفزع ومرعب فإني سأتعرض لجذور المشكلة وتحليها- في رأيي- باعتباري واحدا من أبناء المحلة الكبرى الذين لم ينقطعوا عنها رغم أعباء الحياة والعمل بمدينة القاهرة في ظل المعطيات التالية:
1- المحلة مدينة صناعية يسكنها أكثر من مليون ونصف ما زالت بنيتها الاجتماعية متماسكة.
2- شعب المحلة شعب طيب يرضي بالقليل ويعيش على قدر إمكاناته وفي ظل ظروفه البسيطة.
3- يوجد بالمحلة الكبرى مسجلون خطر بسبب البطالة مثل كل مدن مصر وأمن المحلة والغربية يعرفهم بالإسم، وتم الاستعانة ببعضهم لخدمة الحزب الوطني سابقا في تزوير الانتخابات.
4- بدأت الاضطرابات في المحلة يوم الأحد الماضي بعد محاولة قوات الأمن فض مظاهرة لعمال شركة مصر للغزل والنسيج بالقوة وطاردت المتظاهرين سلميا في ميدان الشون وما حوله.
5- حسب أحد شهود العيان ( بالقاهرة اليوم ) قال إن البلطجية الذين استفزوا المواطنين وأحرقوا المحلات رآهم مرتين المرة الأولي في انتخابات مجلس الشعب السابقة والمرة الثانية في هذا اليوم لحرق محلات البغل.
6- محلات البغل التي تم حرقها بواسطة البلطجية محلات شعبية للفول والطعمية وهي تخدم الفقراء في الأصل، فكيف يحرق الفقراء والعاطلون طعامهم ؟.
7- الأمن بلغ أصحاب المحلات التي حطمت قبلها بيومين بضرورة إغلاق محلاتهم يوم الإضراب ولكنهم لم يمتثلوا لأوامر الأمن ( شاهد عيان – القاهرة اليوم ).
8- قوات الأمن المركزي استخدمت كل الأسلحة ضد تظاهرة سلمية من أول الغازات المسيلة للدموع إلى تلك التي تصيب بالشلل المؤقت والرصاص المطاطي ضد أهل المحلة الكبرى وفي منازلهم بدليل قتل الطفل أحمد علي مبروك ( 15 عاما) حينما تعرض لإطلاق نار كثيف من قوات الأمن أثناء مداهماتها لعدد من المنازل فأصيب بثلاث رصاصات في الرأس والرقبة( شاهد عيان بمستشفي المحلة- والمصريون ) فأردته قتيلا في الحال.
9- شاهد أهالي المحلة الكبرى مجندي الأمن المركزي وهم يحطمون إحدى سيارات الأمن وكبائن التلفونات والأتوبيسات وبعض المحال لإلصاق تهم التخريب بالمواطنين ( الدستور- تقرير محمد أبو الدهب ومحمد عوف ص3 )
وبما أن حكومات الحزب الوطني!!! عودتنا أنها الراعي الأول لمثل هذه الأعمال فلا داعي إذن لإلصاق تهمة البلطجة بعابري السبيل أو بما يسمى بالعناصر المأجورة أو الجهات الأجنبية لأن هذا كلام فارغ لا يرقى بأي حال إلى مستوى عقول الأطفال الرضع فالبضاعة جاهزة في مخازن الوطني وفريق التلفيق فقد حواسه الستة جميعا.
وشواهد الأحداث السابقة لفرق البلطجة مازالت حية على أرصفة شارع عبد الخالق ثروت منذ يوم الاستفتاء الأسود 25 مايو 2005 وفي أحداث الجامع الأزهر والاعتداء على المتظاهرين من حزب العمل وأثناء انتفاضة القضاة وفي الاعتداء على طلاب الاتحاد الحر في جامعة عين شمس وأحدثها يوم الأحد الماضي حيث تتحدث حجارة ميدان التحرير وشوارع رمسيس والجيزة والجامعات المصرية بأن فرق الكاراتيه كانت على أهبة الاستعداد لممارسة نفس الجريمة في القاهرة، ألا يبرهن هذا أن الاحتياطي الاستراتيجي لممارسة الأعمال المسلحة ضد الموطنين في الانتخابات والتظاهرات موجود وجاهز في أقسام الشرطة وعلى أعلى مستوى من أرباب السوابق والمحكوم عليهم في جرائم كبرى بدليل ترشيح كثير منهم في الانتخابات المحلية الأخيرة على قوائم الحزب الوطني !!! وقد فازوا بالتزكية قبل أن تبدأ الانتخابات والبقية ستأتي بالتزوير.
إن ماشاهدناه وشاهده العالم على شاشات الفضائيات وعلى رسائل البريد الالكتروني ضد سكان مدينة المحلة الكبرى العزل هو جريمة يمكن تسميتها " حلابجة المصرية " حيث استخدمت جميع وسائل الترويع التي بدأت بالتهديد والفصل ولم تنته بالغازات الخانقة والرصاص المطاطي الحي واستمرت إلى يوم كتابة هذا المقال.
كلمات موجزة :
لا بد من محاكمة المسئولين الذين استباحوا حرمات الشعب وأهدروا أرواح الأطفال والنساء والشيوخ
لله در علاء الأسواني حين قال : لو فعل الأمن المصري بإسرائيل ما يفعله بالمصريين لتحررت فلسطين منذ زمن بعيد.
Darrag11@yahoo.com
المحلة ترفع شعار "هي فوضى"
الشرقية أون لاين - 9/4/2008 م
إسلام أون لاين - شريف الدواخلي
على قرع الطبول تتأهب الصفوف من الجانبين.. الجميع يحبس أنفاسه من أمر قادم.. الأمن المركزي يتأهب بدروعه وقنابله ورصاصاته.. وعلى الجانب الآخر تنحت الجموع الغاضبة فى الصخر لا من أجل لقمة العيش التى توارت عنهم، بل من أجل إنتاج الحجارة وزجاجات المولوتوف التي سيرشقون بها الجيوش الأمنية بمدينة المحلة الكبرى.
المشهد يتسع لأكثر من صورة.. لافتات احتجاجية.. أعمال تخريبية.. رصاصات مطاطية وحية.. قنابل غازية.. ودماء على الأرض، وحجارة تخترق حاجز الدخان المنبعث من قنابل الشرطة المسيلة للدموع. تسميها الحكومة "فوضى" و"شغب"، ويسميها الناس "تظاهر سلمي" و"تحرك احتجاجي"، وتطلق عليها المعارضة "انتفاضة شعبية".
وبغض النظر عن كل هذه التسميات فما زالت أجواء التوتر المشحون بمصادمات دامية بين قوات الأمن وأهالى المحلة الكبرى (شمال) هى سيد الموقف، وذلك بعد سقوط ثالث قتيل مدني فى المواجهات أمس، ويدعى أحمد على محمد حماد (15 سنة) من منطقة الجمهورية بوسط المدينة.
حماد لم يكن ضمن المتظاهرين، لكن فضوله دفعه لمشاهدة ما يحدث بالشارع عبر شرفة منزله فسقط برصاصة انطلقت من سلاح أحد عناصر الشرطة –بحسب شهود عيان- لتسكن رأسه؛ الأمر الذي زاد من نقم الأهالى على الأمن، وأخذوا يطاردونهم، مؤكدين أن ما أسموه بـ"انتفاضة المحلة الشعبية" لن تنتهي إلا برحيل الحكومة التي فشلت فى الحفاظ على استقرار الأسعار ورفع الدخول.
يأتي ذلك فيما أكد شهود العيان وجود مئات الجرحى من الطرفين، وأعلنت المستشفى العام أن الإصابات بلغت 90 منهم 25 من الأهالي والباقي من الأمن، وأكد العديد من الأهالي أن كثيرًا من الجرحى تجنبوا الذهاب للمستشفى خوفا من القبض عليهم، وفضلوا الذهاب لعيادات ومستشفيات خاصة.
شعار الساخطين: "بلدنا وهنخربها"!
المظاهرات الاحتجاجية السلمية التي اندلعت عصر يوم الأحد أخذت مسارا تخريبيا واضحا أمس بعدما اعتدى البعض على بعض المتاجر والبنوك مثل بنك القاهرة، وكذلك مكتب البريد، وقطعوا الطريق البرى تماما بين القاهرة والمحلة، ووضعوا عوائق حديدية على قضبان القطار لإيقافه، ومن ثم إعاقة حركة السكك الحديدية، والهجوم على نقاط مرور، فضلا عن محاولة إحراق بعض المدارس وسرقة محتوياتها من أجهزة حاسب آلي وأثاث.
مشاعر السخط الشديد والإحباط واليأس التام من إمكانية تغيير الأوضاع المعيشية السائدة، بل والعداء السافر والحاد لكل ما يرتبط بالنظام العام، كانت القاسم المشترك تقريبا لكل من قام بهذه الأعمال التخريبية.
أحد المتظاهرين ذكر أن اسمه سيد سالم، قال لـ"إسلام أون لاين. نت": "البلد بلدنا نخربها، ما نخربهاش، بلدنا، وهانفضل نتظاهر لحد ما الحكومة تغور (ترحل)!".
وأضاف سالم الذي احمر وجهه غضبا: "ما حدش هايقدر يوقفنا ولا الرئيس نفسه؛ لأننا خلاص مش قادرين نعيش ومحدش حاسس بينا ولا بيعملوا لنا حاجة".
الانتقام أيضا كان باديا في خلفية المشهد التخريبي، لكن سالمًا برره بالقول : "حوالي 250 شخصًا معتقلين ولم يتم الإفراج عنهم، و 3 مننا ماتوا، وحوالى 500 مصابين.. ده يرضى ربنا، لازم نثأر لهم".
وقالت الحكومة في بيان رسمي لها: "إن من اشتبكوا مع قوات الأمن بالمحلة كانوا من محترفي البلطجة وإثارة الشغب".
وينفى الأهالي ذلك، ويقولون: إن المواطنين الغاضبين هم من قاموا بالمظاهرات، وبرروا قيام بعضهم بأعمال شغب لأنه "تعبير عن الغضب من الأوضاع السائدة".
وقال حسن محمد، أحد أهالي المحلة، لـ"إسلام أون لاين.نت": "لم نستعن ببلطجية، فكل من شارك بالتظاهرات من أهل المحلة، والمظاهرات الشعبية قامت أصلا لإحساسنا بالظلم، فعمال شركة الغزل والنسيج (الذين منع الأمن إضرابهم يوم الأحد) هم آباؤنا وأخوالنا وأعمامنا ومعاناتهم من الأجور الهزيلة تنعكس علينا جميعا".
وأضاف بلهجة فخر وتحد: "نعم كسرنا لوحة إعلانية عليها صورة الرئيس مبارك، وتصاعدت صيحاتنا بالويل للحكومة التي لا تشعر بأنيننا هنا؛ لأن العيشة بقت مره قوي".
انقلب السحر على الساحر
عبد الرحمن، هكذا يعرف نفسه، يؤكد من جهته أن هناك بالفعل بلطجية "اندسوا" ضمن المتظاهرين للنهب والسلب.
لكنه يضيف قائلا: "هؤلاء البلطجية هم أنفسهم الذين سبق أن استعانت بهم السلطة في الانتخابات السابقة لدعم مرشحي الحزب الوطني (الحاكم) ضد المعارضة!!".
ويصمت لحظة قبل أن يضيف: "انقلب السحر على الساحر؛ فمجموعات البلطجية هذه هي التي تحظى برعاية أمن الدولة؛ كانت مجهزة أصلا حتي يستخدمهم الأمن في انتخابات المحليات؛ ولكن ربك بالمرصاد.. هذه نتيجة مباشرة لاستعانة أمن الدولة في المحلة بالبلطجية؛ وغض الطرف عن أعمالهم الإجرامية".
وتابع قائلا، ولكن بلهجة خطابية حادة هذه المرة: "يا سادة الأمن للأسف هو المسئول الأول عن حوادث التخريب؛ لأنه احتضن هؤلاء البلطجية، هذا درس قاس لوزارة الداخلية التي تعلم جيدا هوية هؤلاء المجرمين". الشباب صغار السن كانوا الأكثر حضورا في المظاهرات، فأعمارهم تتراوح ما بين 17 و20 عاما.
وقال أحدهم رافضا ذكر اسمه: "لا نجد عملًا ولا لقمة عيش.. خلي الشباب العاطل هذا ينفس عن زهقه.. غيرنا بينفس عن نفسه بالبانجو (مخدر شبيه بالقنب الهندي) والحشيش، أما نحن فليس معنا ثمن الحشيش!!".
كما كان لبعض الصبية الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما دور في تخريب العديد من المنشئات، ومحاولة الهجوم على قسم شرطة أول المحلة، مع تشجيع كبير للنساء اللاتي هتفن بسقوط الرئيس مبارك بألفاظ خادشة للحياء.
وإذا كانت الشرارة الأولى للمظاهرات بدأت صباح الأحد مع إضراب عمال غزل المحلة فإن الشرارة الثانية جاءت مع تجمهر نفذه أمس أهالي المعتقلين أمام قسمي أول وثان المحلة. وبلغ عدد المحتجزين قرابة 250 حيث اعتقلوا بشكل عشوائي الأحد، بحسب مصادر حقوقية.
بين السينما والواقع
عدد غير قليل من أهالي المحلة يتحدث بدوره عن الشرارة الحقيقية "للانتفاضة الشعبية"- كما يسمونها – فيقولون: إنها انطلقت من سيدة مصرية بميدان الشون في تمام الساعة الرابعة عصر الأحد، حينما وقفت وحيدة ومنفردة تهتف ضد غلاء المعيشة، وهو ما دفع الأمن إلى الاعتداء عليها بضربها على وجهها.
وربما استرجع المواطنون في هذه اللحظة بعضا من مشاهد فيلم "هي فوضى" الذي تسبب اعتداء رجل أمن فيه على فتاة بإشعال ثورة ضد الشرطة، باعتبارها رمزًا للسلطة، فبدأت مظاهرة بما يقرب من 250 شابًّا من مواطني المحلة، وانضم إليهم المئات ثم الآلاف من كل حدب وصوب، فقامت قوات الأمن بإلقاء مئات من القنابل المسيلة للدموع؛ مما تسبب فى ترويع الأطفال وإصابة أكثر من 300 طفل بحالات اختناق وتورم بالعينين.
رد الأهالى بإلقاء الحجارة ومحاصرة جنود الأمن من خلال الشوارع الجانبية، وإشعال الحرائق فى كل مكان بالشوارع، بجانب سلسلة من الاعتداءات على الممتلكات العامة.
ومزق الأهالى صور الرئيس مبارك من فوق الجسور، وهتفوا ضده، وضد نجله جمال القيادي بالحزب الوطني الحاكم قائلين: "يا جمال قول لأبوك المحلة بيكرهوك".
هتاف وصراخ
واتسم تعامل المتظاهرين وقوات الأمن بأسلوب الكر والفر للهروب من القنابل المسيلة التى تلقيها الشرطة والحجارة التى يقذفها المتظاهرون في مشهد أقرب لحرب عصابات. وعلى إيقاع قرع الطبول تعددت الهتافات من قبيل: "يا ترخصوها يا نولعوها - غلو السكر غلو الزيت لحد ما بعنا عفش البيت - كفاية ذل كفاية مذلة"!.
وعلى الجانب الآخر لوحظ ملامح الإعياء على جنود الأمن المركزي الذين عانوا بين أوامر قادتهم بالوقوف لمدة أكثر من يومين بالشوارع والتصدي للمحتجين وبين الحجارة التي تلقى عليهم من كل حدب وصوب. وصرخ بعضهم مخاطبا شبابا محتجين: "الله يخرب بيتوتكم.. عاوزين ننام.. بقالنا يومين مش عارفين نرتاح.. ربنا يهديكم!".
تهديد بالتصعيد
وهدد أهالي المحلة بتصاعد الاحتجاجات حال عدم الإفراج عن المحتجزين بالأقسام. وفى بيان عاجل إلى مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان) اتهم سعد الحسيني النائب عن جماعة الإخوان المسلمين بالمحلة قوات الأمن باستفزاز المواطنين والتعدي عليهم وبقطع المواصلات وبتحويل المحلة لثكنة عسكرية.
ومع حلول مساء الإثنين انقطع إرسال الهواتف المحمولة للشركات الثلاثة، كما انقطع التيار الكهربي لساعات طويلة لتستطيع جرافات الأمن إزالة العوائق من الشوارع، ولدفع المحتججين للعودة إلى منازلهم.
وفيما انتظمت الحياة اليومية للمواطنين صباح اليوم الثلاثاء، تحولت المحلة إلى ثكنة عسكرية تخضع لحظر تجول حقيقي، فتم إغلاق جميع مداخل ومخارج المدينة تماما، وتجولت العربات المصفحة بالشوارع، وقامت باعتقال كل من تراه يسير فيها.
إلا أن جميع الشواهد تؤكد تعطش الأهالي لأي مظاهرة عدائية للسلطة دون أن تحاول أن يعرفوا لها هدفا محددا؛ ففي حي الجمهورية تجمع عشرات الأهالي عصر الإثنين حول جنازة بعد أن ظنوا أنها بداية لمظاهرة جديدة، وعندما تبينت لهم الحقيقة عاد الإحباط ليرتسم على وجوههم!.
فهمي هويدي
مبادرة لإشاعة ثقافة اللاعنف
احتلت أخبار القاهرة هذا الأسبوع موقعاً متقدماً في مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية بسبب الإضراب العام الذي أعلن في أنحاء البلاد يوم الأحد الماضي 6 ابريل ( نيسان) الحالي. وهذا الاهتمام يبرره أن ما جرى في مصر كان حدثاً استثنائياً غير مسبوق بكل المقاييس. سواء في طبيعته أو وسائله أو مقاصده ورسالته، إذ لم يعد سراً ان مصر شهدت خلال السنتين الأخيرتين على الأقل حالة من التململ التي أسهمت في إذكائها وطأة الأعباء المعيشية التي ضربت قطاعات عريضة في البلد. وكان من جراء ذلك ان البلاد شهدت أكثر من 200 إضراب في العام الأخير أغلبيتها الساحقة وجهت مطالب إلى الحكومة بزيادة الأجور وتوفير الاحتياجات الأساسية للناس.
هذه المطالبات التي صدرت أساساً عن العمال والموظفين أحدثت نقلة نوعية في طبيعة التململ الحاصل في مصر، ذلك أنها طرحت على المحك واستدعت إلى الطاولة ملف علاقة السلطة بالمجتمع، ففي حين أن ما كان مطروحا من قبل ظل يدور في فلك علاقة السلطة بالنخبة السياسية بالدرجة الأولى.
مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وإيجارات السكن واشتداد قسوة الحياة على كثيرين في بلد يسكنه 76 مليوناً من البشر، كان من الطبيعي أن ترتفع درجة المعاناة مصطحبة معها ارتفاعاً موازياً في درجة الغضب، وحين انفجرت أزمة نقص الخبز، فإنها استدعت معها مخزون التوتر والغضب، واستشعر كثيرون ضرورة توصيل رسالة الاحتجاج إلى السلطة، ذلك أنه ما خطر ببال أحد يوماً ما ان يواجه الناس أزمة في الحصول على خبزهم اليومي. ثم ان المشكلة لم تكن في نقص الخبز، لأن السلطة دأبت على توفير مستلزمات وشراء احتياجات السوق منه مهما ارتفعت أسعارها، لكن المشكلة كانت في الفساد الذي استشرى في الأجهزة التنفيذية على المستوى الأدنى، وأدى إلى بيع الدقيق في السوق السوداء لأصحاب محال الفطائر والحلوى، الذين توقفوا عن استيراد احتياجاتهم من الخارج بسبب ارتفاع أسعارها وفضلوا شراء ما يحتاجونه من الداخل بعشرة أضعاف ثمنه. كما أن أرغفة الخبز كانت تباع مخبوزة في السوق السوداء، ليستخدمها بعض القادرين علفاً للماشية، بدلا من الأعلاف الأخرى التي ارتفعت أسعارها بدورها.
هذا الفساد الذي انكشف أمره في أزمة الخبز، ومس سلعة أساسية في حياة الناس كان إعلاناً عن عجز الأجهزة المحلية عن القيام بواجبها في ضمان توصيل الخبز للناس. وفي الوقت ذاته فإنه سلط الأضواء على العجز الذي تعاني منه كل الأجهزة في مختلف مجالات الإنتاج والخدمات الأخرى ،الأمر الذي أسهم في مضاعفة معاناة الناس وعذاباتهم. وحين ظهر الأمر بهذه الصورة وجدت شرائح عديدة في المجتمع تمثل فئاته المختلفة أنه بات ضرورياً توصيل رسالة الاحتجاج والغضب إلى السلطة التي يفترض أنها مسؤولة عن تلك الأجهزة التي قصرت في حق الناس، ولم تقم بما عليها أن تقوم به. ثمة مؤشرات لفتت الانتباه في تنظيم الإضراب ومقاصده جدير بالرصد في مقدمتها ما يلي:
ـ إن الدعوة إليه تمت عبر شبكة الإنترنت والهواتف النقالة، وهذه هي المرة الأولى في مصر على الأقل التي تستخدم فيها تقنيات الاتصال الحديثة الخارجة عن السيطرة في مهمة من هذا القبيل. صحيح أن الصحف المستقلة والمعارضة تحدثت في الموضوع، ولكن الهواتف المحمولة بوجه أخص أوصلت خبره إلى كل بيت. وكل حائز لتلك الهواتف (عددهم 30 مليوناً في مصر).
ـ إن الدعوة إلى الإضراب السلمي الذي يؤيده القانون والدستور والمواثيق الدولية كانت بمثابة تأسيس لثقافة اللاعنف، وهذه نقلة نوعية مهمة في التعبير عن الاحتجاج الذي عادة ما كان يأخذ شكل المظاهرات الصاخبة التي كثيرا ما انتهت بالصدام مع عناصر الشرطة بما يترتب على ذلك وقوع إصابات وعمليات تخريب وعدوان على المال العام، وهو ما اختلف هذه المرة حيث كان مطلوباً الامتناع عن ممارسة أنشطة كثيرة والبقاء في البيوت لا أكثر.
ـ إن الدعوة خرجت من عمق المجتمع وليس من أحزابه الشرعية أو جماعاته السياسية الأخرى. فالذين توافقوا عليها وأطلقوها كانوا مجموعات صغيرة من العمال والموظفين والمثقفين، وهي الشرائح التي تبدو أكثر التصاقاً بالواقع وتفاعلا مع هموم الناس. وكان ذلك واضحاً في التجاوب الشعبي السريع واسع النطاق مع النداء الذي أطلقوه حيث ما كان للجماهير أن تتلقف دعوة من هذا القيل وتتفاعل معها، برغم صدورها عن جهات محدودة الحضور في الخريطة السياسية المصرية إلا إذا أدركت أنها عبرت عن نبضها ومست وتراً حساساً لديها.
ـ كان واضحاً في الذين وجهوا الدعوة إلى الإضراب أنهم من نسيج مغاير عن ذلك الذي خبرناه في الساحة السياسية المصرية، أعني أنهم تجاوزوا انتماءاتهم الدينية والفئوية والجهوية وتنادوا إليه بصفتهم مواطنين مصريين فقط يعيشون هماً واحداً، ويتطلعون لأن يعيشوا بكرامة في بلد يعرفون جيداً أنه يستحق وضعاً أفضل مما هو عليه الآن.
ـ كان واضحاً أيضاً أن الذين تنادوا إلى الإضراب لم يحددوا وسيلة لنقل أصواتهم وتوصيلها إلى كل من يهمه الأمر، سوى أن يقوموا بذلك بأنفسهم، إما بسبب عدم اطمئنانهم إلى أن القنوات المتاحة جيدة التوصيل لرسالتهم، أو لإدراكهم أن قنوات التوصيل المقترحة مسدودة أمامهم.
ـ لم يكن الإضراب ضد النظام القائم في مصر، ولكن دعاته طالبوا النظام بأداء أفضل من جانبه، وهذا فرق يتعين الانتباه إليه، وأزمة الخبز التي عرضنا لها تعد نموذجا لذلك؛ فالسلطة وفرت مستلزمات إنتاجه، ولكن الأداء السيئ للحلقات الوسيطة هو الذي تسبب في الأزمة، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن رسالة الإضراب تضمنت دعوة لإصلاح الأوضاع وليس الانقلاب عليها.
في مقام آخر قلت إن نقطة الضعف الوحيدة في الإضراب إن الذين دعوا إليه كانوا من الفئات غير المعروفة في المجتمع المصري، وهؤلاء كانوا صادقين في التعبير عن التململ الموجود في المجتمع. فضلا عن أنه لم تكن لديهم «أجندة» سياسية خاصة، إلا أن هؤلاء تحولوا إلى جسم كبير بلا رأس، له حضوره وشعبيته وتلك ميزة لا ريب. لكنها قد تتحول إلى عيب لأنها تفتح الباب لاختطاف الجهد من قبل أي قوة أخرى منظمة تملك الرأس ولا يتوافر لها الجسم.
ـ أخيراً ثمة سؤال مثار حول ما إذا كان الإضراب قد نجح أو فشل. وهو تقييم اختلفت فيه تقديرات «الموالاة والمعارضة» إذا استخدمنا المصطلح الشائع؛ فالأولون يؤكدون أنه فشل، ويدللون على ذلك بعرض صور تسجيل تزاحم المواطنين في بعض المصالح الحكومية واكتمال أعداد التلاميذ في المدارس. ومنابر المعارضة تؤكد العكس، وتستعرض صوراً لعديد من الدوائر والمدارس والجامعات التي قل حضورها أو غابوا، وكان كل من الطرفين صادقاً لأنه في بلد وصل تعداد سكانه إلى 76 مليون نسمة، فإن أحدا لا يتوقع أن يضرب الجميع، وإنما من الطبيعي والمفهوم أن يحضر البعض في أماكن بذاتها وأن يغيب آخرون عن أماكن أخرى.
ـ لا أكاد أجد مبرراً لاستمرار الجدل حول الفشل والنجاح في الإضراب، لأن هناك أكثر من حقيقة يصعب الاختلاف حولها، أولها إن الإضراب أعلن رسالة الاحتجاج الشعبي وعدم الرضى، وأن الرسالة وصلت إلى كل من يهمه الأمر في داخل مصر وخارجها. الحقيقة الثانية إن نهج الاحتجاج السلمي الذي انتهجه الداعون إلى الإضراب مما يستحق أن نحتفي به، ونعرب عن تقديرنا له آملين بأن يتحول إلى ثقافة للجميع تجنب مجتمعاتنا ويلات العنف وشروره، وهذه مسؤولية السلطات المختصة في كل قطر، التي يتعين عليها أن تشجع هذا السلوك المتحضر فتحترمه وتحرسه، لا أن تبادر إلى مصادرته وقمعه أو معاقبة المشاركين فيه.
كده كملت .....
بعد إعتقال المدونين في مصر ...
إعتقال إسراء عبدالفتاح وحبسها 15 يوم
لأنها هي التي دعت لإضراب 6 إبريل في مصر ...
نفسي أسمع خبر إعتقال تاجر مخدرات أو بلطجي ...
هي الإعتقالات لأصحاب الرأي والفكر بس في أوطاننا المحروسه ...!!!!!!!!!!!
المصابون في أحداث المحلة يتحدثون
- محمد سامي: حبسوني في سيارة شرطة وكسروا قدمي!
- أحد المجنَّدين: علينا تنفيذ أوامر الضباط فقط ونخشى الكلام!
شهدت مدينة المحلة يومين من العنف المتبادل بين الأمن وبعض الأفراد، لتدخُل المدينة مشهدًا آخر، جعل أحد المراسلين الأجانب يقول إنه يستشعر أنه في غزة، وأنه يشاهد اجتياحًا لقوات الاحتلال الصهيوني!.
(إخوان أون لاين) تجوَّل داخل مستشفى المبرة، وقابل بعض المصابين في "مجزرة المحلة" وتحدث معهم حول الأحداث الدامية التي شهدتها شوارع المحلة.
في البداية يقول محمد سامي (موظف بالتأمينات، 55 سنة، وأصيب بكسر مركَّب بساقه اليمنى): كنت عائدًا من عملي في الرابعة والنصف عصرًا، وأثناء مروري بميدان الشون بوسط المحلة، كما اعتدت يوميًّا، شاهدت دخانًا يندلع من كل مكان حولي؛ لأصاب بعد ذلك بضيق في التنفس وشعور باحتراق شديد في عيني، ورأيت العشرات من الشباب يَجرُون في اتجاه أحد الشوارع الجانبية، وحاولت اللحاق بهم، إلا أن سني لم يمهلني الفرصة للهرب، فأمسك بي أحد جنود الأمن المركزي، وأوسعني ضربًا هو و3 آخرون، ثم حملوني وألقوا بي في سيارة الترحيلات على جانب الطرق، لأفاجأ بأن السيارة رغم ضيقها تكتظُّ بأكثر من 50 من مختلف الأعمار.
وتابع: وبعد حوالي ربع ساعة بدأت أنا ومن معي بالسيارة نصاب بالاختناق، وبدأنا نقرع جوانب السيارة، ولكن دون أن يسمعنا أحد، وبدأ بعضُنا يفقد وعيَه، وهو ما أثار بيننا حالةً من الفزع، ومع محاولة أحد الجنود فتح باب السيارة للزجِّ بمعتقل جديد إلى السيارة تدافعنا جميعًا في اتجاه الباب وفتحناه عنوةً، وخرجنا من السيارة لتستقبلنا هراوات جنود الأمن المركزي، فسقط منا الكثير وأصابوني في قدمي التي انكسرت على الفور!!.
ويضيف سالم أنه مكث يتألم لأكثر من نصف ساعة حتى وصلت سيارة الإسعاف، مشيرًا إلى أنه وجد معه بالسيارة شابًّا مصابًا بطلق ناري في البطن وآخر مصابًا باختناق من تنشُّق الغاز، ويقول إنه فور وصوله للمستشفى وجد العشرات من المصابين ملقَين على الأرض من كافة الأعمار، بين كسور وجروح واختناق من الغاز وإصابات بطلق ناري أو مطاطي.
وبجوار سرير محمد يرقد المجنَّد سامي عزيز (18 سنة)، وبرفقته 3 من زملائه من مجنَّدي الأمن المركزي، حضروا لزيارته، وكانت إصابته طلقًا ناريًّا في القدم أدَّى إلى كسر بعظمة الساق.. يقول سامي: "حضرنا إلى المحلة فجر الأحد قادمين من معسكر الأمن المركزي بطنطا، ولكن في حدود الرابعة من عصر الأحد، بدأت الاشتباكات بيننا وبين الأهالي، وفي حدود الخامسة صدرت لنا الأوامر باستخدام الرصاص المطاطي (الخرطوش) ضد المتظاهرين.
ويضيف: "كانت مهمتي تعبئة البندقية للضابط بالخرطوش، ومناولته إياها ليقوم بإطلاقها على المتظاهرين، وبعد تعبئتي البندقية له في إحدى المرات رجعت إلى مقعدي داخل السيارة المصفَّحة؛ حيث كان بابها الخلفي مفتوحًا، ووقف الضابط يطلق الرصاص المطاطي على المتظاهرين، وفور إطلاقه للعيار شعرت بألم شديد في ساقي واندفاع الدماء منها بشكل غزير، كان سببه اختراق إحدى طلقات الرصاص المطاطي ساقي!!.
وعندما سألناه عن مصدر الرصاصة صمَت! فسألنه بشكل مباشر: هل كان مصدرها سلاح الضابط الذي عبأته له؟ فقال لنا: "أنا مش عايز أروح في داهية، خليني ساكت أحسن"!!.
وقال إنه وزملاءه ينفِّذون أوامر الضباط دون تفكير، من أجل ما وصفوه بالدفاع عن البلاد ضد المتطرفين، وقال: نحن لا نستخدم القوة إلا بالأمر، ولا أستطيع استخدام حتى "الهراوة" إلا بأمر من الضابط؛ فهو المسئول الأول عن كل هذا.
وأكد د. ياسر محمد طبيب الاستقبال بمستشفى المبرة بالمحلة أن المستشفى تلقَّى العشرات من المصابين طوال اليومين الماضيين، أغلبهم من الأهالي المصابين باختناق من الغاز أو بكسور أو بجروح أو برصاص مطاطي، كما استقبل المستشفى بعض حالات جنود الأمن المركزي المصابين ببعض الإصابات الطفيفة التي كان أغلبُها جروحًا في الوجه من آثار قذف الحجارة عليهم.
وحول الوفيات أشار د. ياسر إلى أن مستشفى المبرة لا تتلقَّى أي حالات وفيات؛ لكون الوفيات تُحوَّل إلى مستشفى المحلة العام الذي يوجد به مشرحة وثلاجة تستقبل الجثث.
حتي لا يتكرر 6 ابريل - بقلم: عباس الطرابيلي
10th April
عاشت مصر أسبوعا شديد التوتر، شديد القلق.. كما لو كانت علي أعتاب حرب، أو كارثة قومية.. وكانت مصر كلها في حالة ترقب.. فالحكومة منزعجة أيما انزعاج.. والشعب مترقب شديد التوتر.. والعالم، الاصدقاء والاعداء معا.. يراقبون ما يجري، وما جري يوم 6 أبريل.. الكل كانت أمامهم ذكريات أليمة، لعل أبشعها ما حدث يوم السبت الأسود.. يوم 26 يناير 1952.. عندما احترقت القاهرة..
وتم إجهاض الحركة الوطنية ورغم مرور 56 عاما علي هذه الجريمة لا أحد يعرف علي وجه اليقين من الذي أحرق القاهرة..
ثم ما حدث يومي 18 و19 يناير عام 1977 عندما خرجت الجماهير تتظاهر احتجاجا علي رفع أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية، وهي التي أرادتها الحكومة كخطوة للإصلاح الاقتصادي.. ورأي الشعب أنها ضربة للشعب الذي هتف في المظاهرات هتافه الشهير: سيد بيه ياسيد بيه كيلو اللحمة بقي بجنيه.. والمقصود هنا المهندس سيد مرعي الذي كان رئيسا لمجلس الشعب، في هذا الوقت.
** وفي يوم الاحد ـ 6 ابريل ـ كان الشعب كله يترقب.. بعد طول معاناة، وغلاء يعاني منه الغني والفقير.. غلاء طال كل شيء، من الخبز إلي المدمس إلي عدس الكشري.. إلي زجاجة الزيت. أما اللحم فقد نسيه الشعب حتي سمع عن جزار الحمير. كل هذا بينما الحكومة نائمة، وغائبة ومتكاسلة لا تعمل شيئا، لانها بعيدة عن الشعب، تدير البلاد من.. القرية الذكية، التي تحولت إلي نكتة، أي من الطريق الصحراوي.. أي بعيدا عن آلام الامة كلها.. ولم تتحرك، وفي مقدمتها رئيس الحكومة، وتسافر إلي المحلة إلا بعد ان وقعت الواقعة.. وحدث ما حدث في اكبر مدينة صناعية في مصر..
والمؤلم أن رئيس الوزراء أراد ان يهدئ من النفوس الثائرة فلجأ إلي أسلوب الضعفاء، فقدم رشوة لعمال المحلة، عبارة عن مرتب شهر كامل.. فهل هذا هو أسلوب معالجة الأزمة أم كان الأجدر به ـ وبالحكومة ـ أن تحل المشكلة من الأساس، وهي مشكلة الغلاء..
** وأسلوب الحكومة في معالجة القضايا الحيوية ليس الأسلوب الامثل.. ولكنه الأسلوب الأعرج لان ليس كل عمال المحلة يعملون في شركة الغزل والنسيج، وبالتالي فإن الغلاء لا يكوي فقط عمال الشركة، ولكنه يكوي كل الناس في هذه المدينة.. والأغرب أن نفس القرار تضمن تقديم رشوة لباقي عمال شركات الغزل والنسيج،. علي مستوي مصر فهل عمال الغزل وحدهم هم الذين يعانون.. أم هي رشوة كمحاولة لإسكات هؤلاء..
** ان الغلاء يكوي كل المصريين بلا استثناء.. وبالمناسبة إذا كان الحل من وجهة نظر الحكومة في تقرير علاوة 20% أو حتي اكثر.. فإن هذه العلاوة ستكون من نصيب العاملين في الحكومة وقطاع الأعمال.. فماذا عن الفلاحين وباقي فئات الشعب.. الجائع، أم هي نظرة كلها تفرقة بين مواطن ومواطن، تماما كما يتحدثون عن مظلة التأمين الاجتماعي، أو الصحي..
إننا نطالب بحل شامل للمأساة كلها، لكل المواطنين.. وحتي عمال التجارة والبسطاء.. وليس فقط للموظفين.. وإذا لم يتم ذلك نكون قد انحزنا بالكامل مع فئة ضد أخري.. وهذا مرفوض لان العدالة يجب ألا تتجزأ..
** ونقول: الحمد لله أن عبرت مصر أزمة 6 أبريل بخسائر فادحة، اقتصرت علي مدينة واحدة.. ولكن ما جري، كما صورته بعض الأجهزة بروفة لما يمكن ان يحدث أكثر من ذلك.. ليس علي مستوي مدينة واحدة.. ولكن الكارثة أن يمتد هذا الرفض الشعبي إلي مدن أخري تشتعل فيها النار.. لتحرق كل شيء..
وليس سرا أن الحكومة عاشت يوما رهيبا من الرعب خشية اشتعال الامور اكثر وأكثر.. واذا كانت مصر قد استطاعت ان تعبر هذا اليوم بسلام، إلي حد ما، إلا ان الخوف كله أن يتكرر ما حدث وبشكل أكثر تنظيما، مما يترتب عليه خسائر أفدح.
ونحمد الله علي ان يد التدمير لم تمتد إلي المصانع وإلي المنشآت، لأنها في النهاية ممتلكات للشعب نفسه وليست للحكومة.. وواجبنا أن نحمي ممتلكات الشعب لا أن نحرقها، أو ندمرها.. ولكن ماذا نقول في لحظات الغضب، لحظات التحرك الجماعي، لان »الجماعية« تشجع علي التدمير، وتشيع المسئولية.. فهل كنا نترك مصر لتحترق، هذا هو السؤال..
** ولقد سبق أن تعرضت مصر ـ علي مدي التاريخ ـ إلي أحداث مشابهة، وإلي غلاء وقحط حتي أكل الناس الجيف والقطط والكلاب لعدة أسباب كان أبرزها نقص مياه النيل لسنوات عديدة. واسألوا مقياس النيل في جزيرة الروضة.. ولكننا هذه المرة نعاني- كلنا- من نقص في الغذاء.. ولم يعد إنتاجنا يكفي لغذائنا.. ونعاني أكثر من سوء إدارة لثروة مصر: أرضا وزراعة وصناعة وتوزيعا. وسوءالإدارة هو وباء مصر الآن بكل المقاييس، وعندما جاءت حكومة الدكتور نظيف قالوا إنها حكومة ذكية.. وظهر أنها ليست كذلك. وقالوا عنها إنها حكومة من رجال الأعمال وهم قادرون علي الحل.. ولم يتحقق ذلك.. لسبب أساسي هو أنهم وأنها لم تقترب من الناس، ولم تتخذ من الإجراءات ما يخفف عن الناس.
** وبات المصري يتذكر عصر الشدة المستنصرية عندما عانت مصر من الغلاء ونقص الأغذية حتي أن »قفة من المجوهرات« لم تكن كافية لشراء كيلة من القمح أو الذرة.. واسألوا كل الذين أرخوا لمصر فهل تريدون لمصر أن تعيش عصرا جديدا من الشدة المستنصرية..
إن هذا كله يقتضي أسلوبا جديدا من الإدارة الحكومية.. ومن الفكر الاستراتيجي الذي يجب أن ندير به الأزمة.. ومادام الحزب الوطني الحاكم عجز عن تقديم الحلول المناسبة بعد أن حكم البلاد سنوات طويلة.. فلماذا لا يرحل ويترك لغيره إدارة أمور مصر.. ومن المؤكد أن هناك حلولا عديدة لمواجهة ما تعانيه البلاد. أم يا تري لن يرحل إلا بعد.. خراب مالطة؟!
** اننا من هذه الرؤية، وحتي لا تتكررر أحداث 6 أبريل ندعو كل المصريين إلي العمل معا لإنقاذ البلاد.. ندعو لكي نبني مصر من جديد، لنعبر مما نعانيه، كما سبق ان عبرنا كثيرا من الأزمات ومن المشاكل..
تلك دعوة خالصة لكي ننقذ مصر. ولن يتحقق ذلك إلا بإدارة جديدة، وفكر جديد.. وحزب جديد وليس فقط حكومة جديدة.. فالحكومة وحدها لن تفعل شيئا.
** تعالوا جميعا معا نبني مصر من جديد. ولن نفقد الأمل أبدا في إنقاذ هذا الوطن الغالي.
مصر بين الإضراب الافتراضي والحقيقي - بقلم د.عمرو الشوبكى
10th April
جاءت المواجهات الدامية التي شهدتها مؤخرا مدينة المحلة لتكشف عن فارق كبير بين نمطين من الاحتجاجات انتشرا في ربوع مصر في الفترة الأخيرة، أحدهما افتراضي قادته مواقع علي الإنترنت وبعض النشطاء السياسيين في العاصمة وحدث علي المواقع الإلكترونية وعبر رسائل الهواتف المحمولة، والفضائيات، والثاني حقيقي يجري عمليا علي الأرض وشارك فيه آلاف العمال والمهمشين والمحرومين وسقط فيه قتيل وعشرات الجرحي، وهو امتداد أكثر عنفا لسلسلة الاحتجاجات الاجتماعية التي كتبنا عنها مرارا، واعتبرناها المتغير الأهم لكونها خارج الأطر السياسية والحزبية الموجودة، بصورة قد تغير من المشهد السياسي في أوساط الحكم أو المعارضة.
وأحدثت الدعوة «الافتراضية» لإضراب 6 إبريل تأثيرًا نفسيا كبيرًا، دفع وزارة الداخلية لإصدار بيان شديد الحدة وقليل الحكمة، فيه من لغة التهديد والوعيد ما أقلق عموم المواطنين ودفعهم للبقاء في منازلهم خوفا من حالة افتراضية لم تحدث في الواقع، وبدت شوارع القاهرة شبه خالية نتيجة الخوف من إضراب لم يحدث.
والحقيقة أن هذا التفاوت بين الافتراضي والحقيقي جاء بعد أن تعثرت حركات الاحتجاج السياسية، وفشلت في التواصل مع الجماهير، رغم أنها فتحت لها بابًا تاريخيا في القدرة علي الاحتجاج وكسرت نسبيا، ثقافة الخوف من التظاهر والنزول إلي الشارع لقول كلمة حق في وجه حكم جائر.
وبدت أمراض السياسة لا تختلف كثيرا في أوساط المعارضة عن الحكومة، وإن ظل الفارق الأساسي أن الأخيرة هي التي تحكم وفي يدها كل مؤسسات الدولة، وبالتالي هي مسؤولة، بالمناخ الذي سيدته، عن انهيار قوي المعارضة، وفشلت، ليس فقط في أن تكون ديمقراطية، إنما في أن تلبي الحد الأدني من حاجيات الناس.
والحقيقة أن الحكومة تعاملت مع إضراب العمال بسياسة العصا والجزرة، فقمعت، بقسوة، المتظاهرين، وبسطت يدها، وأعطتهم مكافأة شهرا في سخاء لم يعتادوا عليه، وإن كان لا يخلو من دلالة، فالحكم ناضل «بكفاءة» يحسد عليها من أجل وضع «بتوع» السياسة في ناحية، وأصحاب المطالب الفئوية في ناحية أخري، ولا يسمح للطرف الأول إلا بالقيام بالإضرابات الافتراضية، ويسمح للطرف الثاني بأن يطالب فقط بمطالب فئوية تتعلق بتحسين الرواتب وظروف العمل دون أي حديث في السياسة.
وقام الحكم تطبيقا لهذا الفهم، بصرف مكافأة مالية فورية للعمال، حتي تصل الرسالة واضحة، بأن الحكومة هي التي في يدها المال وهي القادرة علي أن تلبي مطالب العمال، لا المتظاهرين وأصحاب الشعارات السياسية.
والمؤكد أن الحكومة حققت قدرًا كبيرًا من النجاح في فصل السياسة عن المطالب الاجتماعية، وابتكرت أساليب متعددة حتي قضت علي الأحزاب، وهمشت من دور الحركات السياسية الجديدة، وقضت علي استقلال النقابات ،وحولت معظمها إلي كيانات مسخ للحكومة والإدارة، دون أي تأثير حقيقي، ساعدها في ذلك تلك اللغة الخشبية التي لايزال يستخدمها كثير من السياسيين، وغياب ثقافة ديمقراطية عن أحزاب المعارضة، إلا أن مسؤولية الحكم عن قتل السياسة تظل أساسية.
ومن هنا فإن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع نتائج الإضراب الحقيقي تؤكد المنحي السابق نفسه، وهو أن هناك مطالب اجتماعية مشروعة، يمكن حلها بالتلفيق تارة والترضية تارة أخري، وتكون عادة «حكمة الرئيس» هي المفتاح السحري لأي حل، وليس التظاهر أو المطالبة بالإصلاح السياسي.
والمؤكد أن هذه الطريقة التي طبقت حرفيا ــ وبسخاء ــ عقب إضرابات المحلة، هي امتداد للسياق نفسه الذي تعيشه مصر منذ 25 سنة، وأوصلها إلي ما هي علية، ويعني، ببساطة، أن عدم حل أي مشكلة حلا جذريا أو حقيقيا إنما جعلها تمشي لبعض الوقت حتي تقع، ثم تقوم وتمشي علي عكاز وتقع مرة أخري، وتعود وتوضع علي نقالة في انتظار مصيرها المجهول.
وهذا في الحقيقة ما نشاهده الآن، فالاحتجاجات الاجتماعية المتزايدة والتي تقع خارج كل الأحزاب والكيانات السياسية، لا يمكن حلها علي طريقة «العلاوة ياريس»، فليس في طاقة الحكومة فعل ذلك طول الوقت، لأن المشكلة في طريقة الحكم، وليس في عدم وصول المعلومات الصحيحة إلي الرئيس، أو في عدم تطبيق الوزراء توجيهاته أو عدم تنفيذ برنامجه الانتخابي، إنما المشكلة في استمرار طريقة وفهم واحد للحكم تعامل مع المشكلات بطريقة المسكنات لمدة 27 عاما.
ومن المؤكد أن مصر لم تعرف عهدا امتلك مهارة تسكين الأزمات وترحيل المشكلات، مثلما جري في العصر الحالي، فعلي مدار أكثر من ربع قرن امتلك الحكم مهارات نادرة في تمييع كل شيء وفي عدم حسم أي أمر، ورحل ببراعة نادرة مشكلات متراكمة، حتي تفاقمت وصارت مستعصية علي الحل.
وعلينا أن نقر ببراعته في تسكين أحوال البلاد والعباد، بصورة جعلته يستمر كل هذه الفترة رغم محدودية فكر وسوء إداراته، ونجح عبر هذه المسكنات أن يصمد أكثر من ربع قرن، ولكن علي ما يبدو أنه لن يستطيع الفكاك من خطر النهاية، حين بدأت الاحتجاجات الاجتماعية تأخذ منحي خطرا معلنا مرحلة «الانهيارات الأخيرة»، واتضح معها أنه لا توجد أي قدرة للحكم الحالي علي مواجهة أسباب المرض، إلا بالمسكنات حتي أصبحت تقيحات أصابت الجسد برمته.
إن سياسة إدارة الدولة المصرية بطريقة المسكنات جعلت هناك إحساسا عاما وغير مسبوق بأن النظام ليس له صاحب، وأن معظم من يؤيدون الحكم في العلن وينتقدونه في السر، لأنه بلا ملامح سياسية واضحة ولا يتحرك إلا في اللحظة الأخيرة حين تتحول المشكلة إلي مصيبة، أما ما دون ذلك فهو يستعمل قفاز التسكين الناعم في مظهره الخارجي، فتتعقد المشكلة وتتفاقم، حتي تصبح معضلة وأزمة مستعصية علي الحل.
واهم من يتصور أن إضراب المحلة لن يتكرر في مواقع أخري وبصورة أكثر عنفا وخطرا، وواهم أيضا من يتصور أن القوي الاحتجاجية الجديدة لها أي علاقة بأحداث المحلة، إنما الخطر الحقيقي الذي بات يهدد مصر أن هناك «قوي افتراضية» في الحكم والمعارضة يبدو وكأنها تحكم وأخري تبدو وكأنها تعارض وكلاهما يعيش في واقع افتراضي ليس له أدني علاقة بالواقع المعاش، ونمت عنهما أنماط من الفوضي والعشوائية والاحتجاجات الاجتماعية من المستحيل إيقافها بالحكم الحالي، وسيدفع الجميع ثمنًا باهظًا لتغيب السياسة، وإيقاف عملية الإصلاح والتطور الديمقراطي.
من المؤكد أن الواقع الحقيقي أصبح ينبئ بانفجارات كبري وعشوائية، لا يجب البحث عن أسبابها عند السياسيين ولا صحف المعارضة، لأنها ستكون احتجاجات خام لم تمر عبر مصفاة حزب أو نقابة، تهذب من سلوكها ومطالبها وتضعها في قالب تفاوضي مع السلطة كما يجري في الدول الديمقراطية، إنما ستكون شديدة العنف والقسوة ولن يستطيع أحد إيقافها.
علي الحكومة أن تجهز من الآن شهرًا من خزينة الدولة لتصرفه للمضربين كل مرة، وإلا ستكون العواقب وخيمة، والمؤكد أنه لا الإضرابات ستتوقف، ولا الحكومة ستكون قادرة كل مرة علي الدفع وسداد فاتورة البقاء الطويل في الحكم.
المشهد المصري بين الاحتجاجات الاجتماعية وانتخابات المحليات
الشرقية أون لاين - 11/4/2008 م
عمرو حمزاوي *
تتابعت خلال الأيام القليلة الماضية الأحداث الاجتماعية والسياسية لترسم صورة بالغة الاحتقان للواقع المصري. فعلى رغم النجاح الأمني في السيطرة على الإضراب العام في 6 ابريل الجاري والذي دعت إليه منظمات مدنية وحركات سياسية مختلفة للاحتجاج على موجة الغلاء الراهنة (بلغت معدلات ارتفاع أسعار المواد الغذائية 16 في المئة منذ بداية العام الحالي).
إلا أن المواجهات العنيفة التي اندلعت في اليوم نفسه بمدينة المحلة الصناعية بين متظاهرين وقوات الأمن وسقط نتيجتها عدد من الضحايا بين قتيل وجريح طرحت العديد من التساؤلات حول التداعيات الفعلية لتدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المصريين على السلم المجتمعي واستقرار النظام العام.
ثم تواكبت التوترات والاحتجاجات الاجتماعية مع مشهد سياسي قمعي بامتياز أدارت به مؤسسة الحكم انتخابات المجالس المحلية من دون رقابة قضائية فعلية ومع تحجيم لقوى المعارضة وإقصاء شبه تام لفصيلها الأكبر والأفضل تنظيماً، جماعة الإخوان المسلمين، على نحو عمّق من حالة الاستقطاب ووضع بعد تعديلات ربيع 2007 الدستورية وانتخابات مجلس الشورى في صيف ذلك العام علامة إضافية على طريق تجديد دماء السلطوية وإعادة الحياة السياسية إلى سابق جمود التسعينيات بعد دينامية وانفتاح السنوات ما بين 2003 و2005.
ومما يزيد من خطورة تداعيات انسداد الأفق الاجتماعي والسياسي عدم توفر أي من الفاعلين الرئيسيين في المشهد المصري على رؤية استراتيجية متكاملة وقابلة للتنفيذ للتعاطي معها أو لإدارة الأزمات المترتبة عليها.
فمؤسسة الحكم تتخبط بين وعود وردية بوقف تدهور الأوضاع المعيشية وعصرنة شبكات الضمان الاجتماعي ورفع مستويات الأجور والحد من التضخم وتنازلات جزئية تذهب في هذا الاتجاه (قرار رئيس الجمهورية الأخير بإلغاء الرسوم الجمركية على المواد الغذائية الرئيسية وبعض العقاقير الطبية الواسعة الاستخدام) وبين سياسات عكسية تفرضها توصيات الهيئات الاقتصادية الدولية وعمليات الخصخصة المستمرة فضلاً عن مصالح جماعات ضغط مؤثرة قريبة من دوائر صنع القرار.
ومع أن التحسن الملموس في أداء الاقتصاد المصري (بلغت معدلات النمو خلال العامين الماضيين 7 في المئة) وتدفق الاستثمارات الأجنبية (الخليجية بالأساس) قد ضمنا لمؤسسة الحكم شيئاً من المرونة وبعض الموارد الإضافية للتعاطي مع التوترات الاجتماعية، إلا أن غياب رؤية استراتيجية متكاملة لكيفية إدارة الانتقال نحو اقتصادات السوق، في مجتمع يعيش أكثر من ثلث سكانه تحت خط الفقر، ومن دون تعريض السلم الاجتماعي لمخاطر كبرى، قد عنى واقعاً محدودية فاعلية الإجراءات الرسمية وبقاءها دوماً في خانة الحلول الجزئية وعلاجات المسكنات.
بل إن مؤسسة الحكم التي اعتادت تقليدياً توظيف أدوات متنوعة للحيلولة دون تواكب التوترات الاجتماعية مع احتقان الحياة السياسية وكثيراً ما سمحت بانفراجات جزئية في الأخيرة للتخفيف من حدة الأولى، تبدو اليوم رافضة لتقديم مثل هذه التنازلات إن لاقتناعها بأولوية قضايا أخرى ربما كان أهمها ملف ترتيبات انتقال السلطة بعد الرئيس مبارك أو للخوف مما قد يرتبه الانفراج السياسي من تعاظم للطاقة التنافسية ولمساحات فعل قوى المعارضة وفي مقدمها جماعة الإخوان، على النحو الذي دللت عليه نتائج انتخابات 2005 التشريعية.
محصلة ذلك هي تعويل متصاعد على آليات أمنية وإقصائية تتطور باستمرار لإدارة السياسة ونضوب شبه كامل لقدرات مؤسسة الحكم على إعمال النظر الاستراتيجي والبحث في سبل تجاوز لحظة الاستقطاب الراهنة.
بيد أن النضوب الاستراتيجي ذاته وما يستتبعه من عجز عن صوغ رؤى متكاملة أضحى يعصف بتماسك المعارضة ويهدد شرعية أدوارها. أحزاب كالوفد والتجمع تتجاذبها سياقات تحالفات غير معلنة مع مؤسسة الحكم، تضمن لها حداً أدنى من التمثيل في المجالس التشريعية، إلا أنها تفقدها الجزء الأكبر من استقلالية فعلها ومصداقيتها كقوى معارضة تريد التغيير والإصلاح.
في حين تسعى أحزاب كالجبهة الديموقراطية ذات التوجه الليبرالي وحزب الكرامة الناصري (تحت التأسيس) لتطوير أدوات العمل السياسي المعارض والتنسيق في ما بينها لحمل مؤسسة الحكم على تخفيف القيود المفروضة على حركتها، وتظل فاعليتها شديدة المحدودية إن لتحول صراعاتها الداخلية الى حالة مرضية مستشرية وافتقادها المؤسسية وضعف هياكلها القيادية أو لهشاشة وجودها الجماهيري وغياب قواعدها الناخبة. أما جماعة الإخوان فتفتقد التوازن الاستراتيجي والتماسك التنظيمي الذي ميزها طويلاً ومكنها الى جانب جماهيريتها من الحفاظ على وجودها ودورها السياسي على رغم علاقتها الصراعية مع مؤسسة الحكم.
اليوم تتخبط الجماعة، مثلها في ذلك مثل بقية الفاعلين، بين مواقف متناقضة وخطوات منقوصة سرعان ما يتم التراجع عنها من دون تفسير مقنع للرأي العام أو لقواعدها الشعبية.
فبعد أن أعلن الإخوان في صيف العام المنصرم عن مسودة برنامج حزبهم السياسي، وفي لحظة صراع مع الحكم هم بها أبعد ما يكونون عن الحصول على ترخيص لتأسيس حزب، وأنجز نقاش مفصل حول القضايا الخلافية داخل الجماعة وخارجها حمل العديد من الأفكار المهمة، طويت صفحة برنامج الحزب بسرعة مريبة واكتفت قيادات مكتب الإرشاد بالتشديد على أن المسودة قيد التطوير. ثم جاء موقف الجماعة الأخير من انتخابات المجالس المحلية ليدلل مجدداً على افتقادها التوازن.
فبعد قرار الإخوان المشاركة في انتخابات المجالس المحلية واعتزام تقديم أوراق زهاء 5 آلاف مرشح الى الجهات الرسمية (للمنافسة على ما يزيد عن 50 ألف مقعد محلي) وزجوا بالتبعية بكوادرهم الوسيطة إلى أتون مواجهة مع الآلة الأمنية أسفرت عن اعتقال المئات منهم، عادوا وأعلنوا مقاطعتهم لانتخابات 8 نيسان الجاري قبل موعدها بيوم.
ومع أن الإقصاء والتعنت الرسميين إزاء مرشحي الجماعة وتجاهل أحكام القضاء الإداري لصالحهم بلغت بالفعل مستويات غير مسبوقة، فلم يدرج سوى 20 من الإخوان على قوائم المرشحين النهائية، يظل التساؤل عن ظروف ومعايير تغيير الوجهة الاستراتيجية داخل الجماعة قائماً.
فالإخوان، ومن واقع بياناتهم المتتالية، أرادوا المشاركة إثباتاً لوجودهم ورغبةً في تعبئة قواعدهم والتواصل مع الرأي العام بغض النظر عن محدودية إن لم يكن انعدام فرص مرشحيهم للفوز في ظل غياب الإشراف القضائي على انتخابات المحليات.
بعبارة بديلة، بنيت شرعية المشاركة في الانتخابات على القيمة الذاتية للمشاركة وفصلت إلى حد بعيد عن أسلوب إدارة الانتخابات ونتائجها المتوقعة. فكيف لمن صاغ مثل هذه الرؤية (العالية الروح الديموقراطية في واقع الأمر) أن ينقلب موقفه رأساً على عقب لأن عدد من قبلت أوراق ترشيحهم جاء صادماً؟
ليس لمعارضات، دينية كانت أو غير دينية، هي بهذا الوهن وهذا التخبط الاستراتيجي، أن تسهم في إيجاد حلول لانسداد الأفق الاجتماعي والسياسي في مصر، بل هي أضحت بلا ريب أحد مسبباته المزمنة.
وربما مثل خيال ودينامية حركات الاحتجاج الصغيرة كـ (كفاية) وشبكات النشطاء والمدونين، وهي تلعب أدواراً مهمة في إعادة السياسة الى الشارع المصري والانفتاح على بؤر التوترات الاجتماعية وتوظيف زخمها في الحياة السياسية، نقطة الضوء الوحيدة والبعيدة في مشهد شديد التوتر يبدو عصياً على التغيير الإيجابي.
-----------------
نقلا عن جريدة الحياة.
مصر: غياب الإخوان المسلمين افاد الحركة الجماهيرية واضر بهم!
12th April
أحداث السادس من نيسان/ ابريل 2008 في مصر جعلت منه يوما تاريخيا مشهودا. قدم المصريون فيه أكثر مما هو متوقع، فشعب أعزل، ومدن محاصرة، ومواطن منهك، وفقير جائع، ومع ذلك خرجوا يتحدون الاستبداد والفساد والجوع، لم يثنهم عن عزمهم عنف، ولا بطش ولا موت.
ولم تغط الحرب الضروس، التي أعلنتها أجهزة الأمن والشرطة. ووسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية علي انجازات ذلك اليوم. لم يقل شأنه، ولا نقص قدره، ولم يحل دون تحطيم صور حسني مبارك في الميادين والطرق العامة. إنه النجاح الجماهيري عن جدارة، وبه انتقلت مصر من إرهاصات الحراك الفئوي المتناثر، إلي فضاء العمل الجامع الواحد، الذي احتوي فئات وقوي وطبقات تسعي للتغيير وتعمل من أجله.
والنجاح يمكن قياسه علي عدة مستويات، الأول هو مستوي الاستعداد والدعوة، وتحدي القيود المفروضة، الدعوة وجدت من يتبناها ويجعلها جاذبة لقطاعات عريضة من الشعب، ووجدت من يستجيب لها في كافة أنحاء البلاد. من القادر والعاجز، علي حد سواء، فالقادر بادر وتحمل مسؤولية قراره وشارك، والعاجز تعاطف وحفز الآخرين علي المشاركة.. وجسدت مدينة المحلة الكبري هذا الواقع، فبعد احتلال قوات الأمن للمصانع في الصباح الباكر، وأجبرت العمال علي تشغيل الآلات تحت التهديد، في نفس الوقت كان الأهالي يتجمعون في الشوارع والميادين. ولم يأت منتصف النهار حتي اندلعت المظاهرات بعد أن وصلت الأخبار عما حدث داخل المصانع. وكانت قوات الأمن قد عزلت المدينة عن العالم تماما، وحاصرتها علي النمط الصهيوني مع غزة، وحين أخذت في ترويع الأهالي بوحشيتها المعهودة. قاوموها وتصدوا لها، وسقط قتيلان وعدد كبير من الجرحي، بينهم عدد من جنود الأمن المركزي. وفي المدن الكبري، خاصة القاهرة والإسكندرية. فقد أغلقت منافذها، ومنع الدخول إليها أو الخروج منها، وعزلت وأحكمت السيطرة عليها. وامتد ذلك إلي الأحياء والميادين. فصلتها عن بعضها. وحولت الميادين الكبري إلي ثكنات عسكرية، كان الوجود البارز هو لقوات الأمن المركزي. وأحيطت الأماكن المألوفة للتجمع. كميدان التحرير، وما يعرف بالمثلث المحرر في وسط العاصمة، الذي يضم نقابتا الصحافيين والمحاميين ودار القضاء العالي، بسياج من قوات مقاومة الشغب بدروعها وبنادقها، ورصاصها المطاطي، وطلقاتها المسيلة للدموع، وتحولت القاهرة إلي سجن كبير، مع ذلك تمكن المحامون من كسر الحصار والتظاهر.
والمستوي الثاني كان شمولية المشاركة، وميل ميزان القوي لصالح قوي التغيير، بكافة فصائلها وألوانها، ورغم غياب الإخوان المسلمين والطلاب والفلاحين. جاءت شمولية المشاركة نتاجا طبيعيا لتضافر جهود القوي الجديدة، وكلها قوي محظورة. غير مصرح لها بالعمل العام، من قبل السلطات الحكومية، وكانت مكونة من حركات كفاية وأخواتها، وحزب الكرامة، تحت التأسيس، وحزب العمل المجمد، وجماعات المدونين، وشخصيات من حزب الغد الملغي (جماعة أيمن نور). ولعبت جماعات المدونين دورا مؤثرا في نشر الدعوة والدعاية لها والتعريف بها وبأسبابها ومبرراتها وأهدافها. وهنا أنوه إلي ما نشر علي هذه الصفحة، قبل ثلاث سنوات، في تحليل ظاهرة كفاية، فور ظهورها، كُتِب وقتها أن كفاية كسرت حاجز الخوف، بكل ما ترتب عليه من إلغاء خطوط حمراء، كانت تمنح العصمة للحاكم وتدعو لعبادته، والتحول الثاني هو نزول القوي الجديدة إلي الشارع، الذي صار ميدانا للمنافسة، وأضحي متعدد الألوان والبرامج. والتحول الثالث هو استدعاء الطبقة الوسطي، التي كانت قد أوشكت علي الانقراض. عادت إليها الحياة والفعالية، وانتقلت إليها قيادة الرأي العام، فنما وعيه وازداد نضجه. وأعطي كثيرون لوسائل الاتصال الحديثة، كشبكة الاتصال الألكترونية (الانترنت) ورسائل الهاتف المحمول، قيمة كبري في الدعوة للإضراب ونجاحه، ولا نجادل في هذا لأنه صحيح، لكن هذا وحده لم يكن كافيا لتحريك جماهير بذلك الحجم، بما تحمل من تعقيدات ورواسب اجتماعية وتاريخية. ولو لم يأت ذلك مقترنا بوجود قوة قادرة علي ترجمته إلي فعل، ما كان الذي حدث قد حدث يوم الأحد الماضي. وكانت كل تلك محفزات أتت أكلها في لحظة مواتية واستجابة واعية. المستوي التالي تمثل في الغياب الكامل للحزب الحاكم، ترك الأمر بيد أجهزة الأمن ورهن استخدامها المفرط للقوة. وكشرت عن أنيابها لتتمكن من السيطرة علي الوضع، وهذا زاد من رسوخ الحل ذي البعد الواحد، أي الحل الأمني. وقد هال المراقبون حجم قوات الأمن المستنفرة في أنحاء البلاد، وأكد لديهم الأرقام التي نشرتها المصادر الأمريكية عن حجمها، ووصولها إلي مليون وأربعمئة ألف، وهو رقم مفزع بكل المقاييس، وكنت من بين من لم يصدقوه، لكن خاب ظني. وحكم يرعي ويمول قوة ضاربة باطشة بهذا العدد، ويستولي علي ثروة البلاد، بالطبع يعجز عن توفير رغيف خبز للشعب. وكان الأهم من ذلك هو التوتر البالغ الذي طبع تصرفات وسلوك المنتمين للجنة جمال مبارك (لجنة السياسات)، ومن تابع ظهورهم علي الفضائيات لم يتوقف كثيرا عند تهافتهم وضعف مبرراتهم، وتوقف أمام انفعالاتهم الزائدة وتوترهم الشديد. فقد كثير منهم أعصابه علي الهواء، وعجز أغلبهم عن الرد علي الأسئلة التي وجهت إليهم. وكان الغياب الآخر هو غياب أحزاب المعارضة الرسمية، فمن حضر منها كان خجولا، ومن شارك جاء فردا. كل هذا لم يثر حفيظة أحد، علي العكس من رد الفعل علي عدم مشاركة جماعة الإخوان المسلمين، فنالوا سخطا كبيرا، كانوا في غني عنه، في ظروفهم الصعبة، وكان منطق محمود عزت عضو مكتب الإرشاد مستفزا، وهو يعرض أسباب عدم المشاركة. وكأن هناك دعوة للمشاركة في العمل الوطني، أو من المفروض أن توجه إليهم الدعوة عن طريق المحكمة، وكما نقول في مصر علي يد مُحْضر . ويبدو أن أصحاب القرار في قمة الهرم الإخواني غلبوا مصالح أثريائهم، المتوائمة مع مصالح رجال الأعمال، الذين يحكمون باسم عائلة مبارك ، غلبوا مصالحهم علي المصالح العامة، فأي تغيير متوقع، إذا أضر بمصالح عائلة مبارك ، وأثرياء الحكم قد يأخذ في طريقه مصالح مالية كبري يديرها أثرياء الإخوان. ورب ضارة نافعة. فغيابهم أفاد التحول الذي انتقلت إليه الحركة الشعبية المصرية، في هذا اليوم. وإن أضرت بهم، وقد تصيبهم بشرخ، مثل الذي حدث مع الضباط الأحرار سنة 1952، ولو شاركوا لنسبت لهم أجهزة الإعلام الرسمية والغربية الفعل والحركة، ضمن نهجها في التضخيم من خطرهم، وتوظيفه كفزاعة لابتزاز الغرب، وترويع مثقفيه ورجاله في مصر. كان غياب الإخوان فرصة لتثبت لقوي التغيير جدارتها وقدرتها علي الفعل والتواصل مع الناس. وفرصة للثقة في النفس وفي المواطن. وهذه من مواصفات نضج الحركة الشعبية وسماتها.
مظاهرات الخبز والجوع طرأت علي المجتمع المصري بعد حرب 1973. قبلها كانت المظاهرات للاحتجاج السياسي. من أجل تعديل مسار أو تصحيح أوضاع. مظاهرات 1968 كانت ردا علي النكسة، وعكست في معالجاتها شخصية الحاكم وطبيعة نظام الحكم. وفيها انحاز عبد الناصر إلي المتظاهرين، قبل بهم. والتقي بقادتهم، وقال فيهم قوله الشهير: الشعب يريد وأنا معه . واستجاب لهم وأعاد محاكمة المتسببين في النكسة. ثم عقد مؤتمرا قوميا لمناقشة أسباب التظاهر وطرق علاجها، واستمع لقادة المظاهرات، من رؤساء اتحادات الطلاب في الجامعات، وتبني مطالبهم وصاغ منها بيان عمل. هو بيان 30 آذار/ مارس، وعرضه علي الاستفتاء الشعبي، وعلي أساسه أعيد بناء المؤسسات السياسية والتشريعية والتنفيذية من جديد. استمر عصر ما قبل مظاهرات الخبز والجوع، فترة محدودة بعد رحيل عبد الناصر. وقبل حرب اكتوبر، ارتفعت الشعارات الوطنية والقومية، وتركزت المطالب حول الثأر، وإزالة آثار العدوان، وتحرير الأرض. وكانت ذروة ذلك مظاهرات 1972، وتحت ضغطها اتخذ السادات قرار الحرب، وبعدها تغير موقفه، واتضح بشكل سافر في انتفاضة 1977. لم يعر مطالب المتظاهرين اهتماما. وإن تراجع عن قرارات رفع الأسعار، المسببة للتظاهر، وأطلق عليها انتفاضة الحرامية ، وهذا المنطق هو الذي يحكم النظرة إلي التحركات الجماهيرية حتي الآن، وأدت إلي تغيير شعار الشرطة، من الشرطة في خدمة الشعب بشعار يعبر عن استعلاء واستبداد بالغ. هو الشرطة والشعب في خدمة القانون . ويحسب للسادات أنه أعد طائرته في مطار أسوان للرحيل، ولما أعادت القوات المسلحة الهدوء إلي الأوضاع تراجع عن قراره، إلا أنه اتخذ من المظاهرات مبررا لزيارة الدولة الصهيونية، والانسلاخ عن العرب، وإلغاء دور مصر القومي والإقليمي.
والجوع الحالي صناعة كاملة الأركان. ممنهجة ومخططة، وليست طارئة علي سياسة عائلة مبارك ، حتي صارت مستعصية علي الحل، لأنها حلقة في سلسلة أزمات متفاقمة وشاملة. ولم يسجل التاريخ علي المصريين أنهم صناع جوع، وهم دائما صناع خير. وخروج عائلة مبارك عن طبيعة الحياة المصرية الحقيقية جاء نتيجة حرصها علي الثراء الفاحش، وتضييقها لفرص العمل، وتوظيف السياسة في تكوين الثروة، وعدائها للشعب وكراهيتها له، ومناصرة طاقم جمال مبارك، ومن معه من رجال الأعمال، الذين أسندت إليهم المسؤوليات السياسية والتشريعية والتنفيذية، فاتخذوها سبيلا لنشر الحرمان وصناعة الجوع.
وكل ما قام به هذا الطاقم هو أن بعث بأحد أعضائه، رئيس الوزراء، إلي عمال المحلة يساومهم، بطريقة غبية معتادة. وينعم عليهم بصرف مرتب شهر، ووعد لا ينفذ. بامتيازات في السكن والمواصلات، وحرص علي إبلاغهم بأنها مكرمة من حسني مبارك، وكأنها من صاحب مزرعة، وليس مسؤولا في دولة. إنه النهج المتدني في النظر إلي العمال والفلاحين والموظفين وأبناء الطبقة الوسطي. يُنظر إليهم كشغيلة وخدم. ليس لهم حقوق، وأقصي ما يحلمون به بقشيش ، من ولي النعم، فالحقوق كلها لرجال الأعمال، والدعم كله للمفسدين، أما المنتجون والعاملون وصناع الحياة، ومنهم شباب وفتيات وأساتذة جامعات مقبوض عليهم، ووضعوا رهن الاعتقال، عقابا لهم علي ممارسة حقهم المشروع في الدفاع عن قوت الشعب وحياته المهددة بسبب فحش الغلاء واستشراء الفساد، وعبروا عن ذلك بالطرق السلمية. كل هؤلاء حرموا من حقهم في الحياة الحرة الكريمة، وهو ما سيبقي المأزق مستعصيا علي الحل، ويستمر بصناعة الجوع نامية ومضطردة.
كاتب من مصر يقيم في لندن
القدس العربي
من فنون الإحتجاج السلمي.
فهمي هويدي
لان رصيدنا من ثقافة العنف وخبراته صار وفيراً والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، فقد آن لنا أن نعترف بفقر ثقافتنا في أساليب النضال السلمي، الذي صرنا في مصر نتلمس مظانه ونطرق أبوابه، حتى التحقنا مؤخراً بمرحلة “الحضانة” فيه. وإذ سبقنا آخرون في ذلك المضمار، فقد بات مفيداً أن نتعلم منهم بعضاً من دروس تلك الخبرة.
(1)
أرجو ألا يخطئ أحد في فهم ما أعنيه. فحديثي ينصب على إدارة الخلاف داخل الوطن، وفي مواجهة سلطة وطنية، أياً كانت المآخذ عليها، لا سلطة أجنبية محتلة، يتعين التعامل معها من خلال خيارات أوسع، يظل النضال السلمي أحدها. لكن ينبغي ألا يكون الخيار الوحيد.
ولعلك لاحظت إنني أتحدث عن فقر ثقافتنا في أساليب النضال السلمي، وليس في مبادئ وقيم التغيير. ذلك إنني ازعم بأن لدى مرجعيتنا الثقافية الإسلامية منظومة واضحة في هذا الصدد. تنطلق من تحريم الظلم، وتعتبر أن الخطاب القرآني رسالة تحذير للظالمين، بل وتعتبر مقاومة الظلم حقاً مشروعاً من حقوق الإنسان. في الوقت ذاته، فإنها تثبت مسؤولية الإنسان عن إصلاح الكون وعمارته، باعتباره مخلوق الله المختار وخليفته في الأرض. وإذ تدعوه إلى إفشاء السلام وتنهاه عن البدء بالعدوان، فإنها تدفعه بقوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حتى اعتبر الإمام الغزالي أن هذا الواجب يشكل”القطب الأعظم للدين”. ولفقهاء المسلمين كلام كثير في ضبط هذه الفكرة، بحيث تغدو سبيلاً إلى الإصلاح وليس باباً لإشاعة الفوضى. وإذ تعلي المنظومة من شأن إسداء النصح والجهر بالحق في مواجهة أهل الجور، وتحذر الساكتين على الظلم من غضب الله وعقابه، فإنها لا تدع مجالاً للتفلت من أداء واجب إنكار المنكر، إذ على كل واحد أن ينهض به قدر استطاعته، باليد أو باللسان أو حتى بالقلب. وفي كل ذلك فان على المسلم أن يتحرى الحكمة والموعظة الحسنة في أدائه. والموعظة الحسنة كلام طيب ورشيد يقال، أما الحكمة فهي وضع الشيء في موضعه، ومن ثم فخياراتها أوسع نطاقاً، بحيث تحتمل قولاً أو فعلاً، أو أي شيء آخر يصلح العوج ويحقق مراد الإصلاح.
هذا الذي استعرضته باختصار شديد فصلت فيه مراجع وكتبت بلا حصر، وأردت من ذلك الإجمال التنويه إلى أننا نملك تراثاً غنياً في باب التغيير لإحقاق الحق وإقامة العدل، لكننا لا نملك ثراء مناسباً في أساليبه، حتى صرنا كالجيش الذي يملك الذخيرة ولكنه يفتقد إلى خطة العمل الميداني. وتلك ليس منقصة في حقيقة الأمر، لأن المرجعية يفترض أن تعنى بالأسس والمبادئ وليس بالأساليب. فالأولى ملهمة وثابتة، في حين أن الثانية تكتيكية ومتغيرة بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال.
(2)
حين تابعت الكيفية التي عبّر بها الناشطون المصريون عن احتجاجهم وتضامنهم مع ضحايا الاشتباكات التي شهدتها شوارع القاهرة في أواخر شهر مايو الماضي، لفت انتباهي محاولات الابتكار في الأساليب التي ابتدعوها. وشجعني ذلك على استخراج مقالة لم استطع نشرها قبل ثماني سنوات (ضمنتها كتابي الذي صدر بعنوان “مقالات محظورة”). كان موضوعها خبرات ودروس النضال السلمي في دول أوروبا الشرقية. ولم اكن صاحب الكلام ولكني كنت ناقلاً له، لأن المادة الأساسية فيها كانت تقريراً نشرته صحيفة “الاندبندنت” البريطانية (في 16/1/1997) لباحثين إنجليز، درسوا تحركات الجماهير التي خرجت رافضة لأوضاع أوروبا الشرقية، من برلين إلى بلجراد (بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات). وخلص الباحثون إلى أن تحركات الجماهير لم تكن عفوية كما قد يخطر على البال لأول وهلة. لكن الذين نظموها عرفوا كيف يجمعون الناس ويحشدون التأييد. ولتحقيق أهدافهم، فانهم اتبعوا أساليب عدة، رصدها الباحثون، واستخلصوا منها عشر نصائح، سأعرضها، بعد أن الفت الانتباه إلى أهمية إدراك اختلاف الظروف الموضوعية في مصر عن تلك الدول، النصائح جاءت على النحو التالي:
1- تحري البساطة: فلا تخدع نفسك بفكرة أن الناس مستعدون للتمرد والثورة ومن ثم للتضحية والاشتباك مع أجهزة الشرطة والأمن، فقط من أجل الديمقراطية. فالديمقراطية مفهوم مجرد وعائم، ابعد من أن يستوعب معناه في مجتمعات لا تزال خبرتها ضعيفة في هذا المجال. وثق أن أمثال تلك العناوين الكبيرة مهما بلغت أهميتها ستظل عاجزة عن دفع الجماهير إلى الشوارع أو تشجيعها على التضحية وتحدي أدوات القمع المختلفة.
لكي تنجح، عليك أن تستدر مشاعر سخط اكثر واقعية، وان تقدم وعوداً أساسية لتحسين الأوضاع. فالصرب عموماً لم يقلقهم كثيراً نظام ميلوسوفيتش المستبد والفاسد. لكن الأرجح أن الأزمة الاقتصادية أمسكت بخناقهم، حتى أحاطت بهم خيبة الأمل من كل صوب، ولم تفلح وعود الرئيس الصربي في تبديد تلك الخيبة. وعندما كان الصرب يدقون على الأواني والقدور للتشويش على أخبار التلفزيون الحكومي كل مساء، فانهم كانوا في الحقيقة يرددون صرخة “بيتر فيتش”: لقد أصابني الجنون، فلم اعد قادراً على تحمل المزيد من هذا الهراء.
2- كن مبتهجاً وطويل البال: فقد عمدت الأبواق الرسمية في أوروبا الشرقية إلى اتهام قادة المقاومة الشعبية بكل التهم التي تخطر على البال، من الجنون والانحراف إلى الخيانة والعمالة لجهات أجنبية، وهذا موقف طبيعي من جانب منابر الاستبداد وأدواته. إذ ستصمكم بكل التهم، فاحرصوا على ألا تمنحوا النظام أي مسوغ لهذه الاتهامات، حتى يبدو هو لا انتم الخادع المضلل. لا تشجعوا العنف ولا الهتافات المضادة للديمقراطية عندما تنفجر قنبلة قرب مبنى مؤسسة أو منظمة موالية لحركة الاحتجاج، كما حدث في بلجراد، فسيكون واضحاً أن ذلك مجرد استفزاز من قبل النظام. وإذا ما تحول النظام إلى العنف، فهذا يقوي موقفكم. قال مواطن تشيكي: في عام 1985 “ذهبت لكي التحق بالتظاهرات، وحين طرحت على الأرض شعرت بالحرية”.
3- اجعلها تسلية: جميع الحركات الناجحة كانت رائعة في استخدام أفكار مسلية لتشجيع الناس على الابتسام، والاستمرار على تلك الحال حتى عندما تتأزم الأمور. في براج، ابتدع المتظاهرون فكرة دق أجراس صغيرة والتلويح بسلاسل المفاتيح. وفي رومانيا، كان المتظاهرون يحدثون ثقوباً في الأعلام. وفي صربياً فعلوا أشياء كثيرة من إعاقة المرور، إلى اصطحاب الحيوانات الأليفة (الكلاب والقطط) في التظاهرات التي منعت على الناس وكان من الصعب منعها على الحيوانات، إلى دق الأواني والقدور أثناء إذاعة نشرات الأخبار الحكومية.
تخير من مؤيديك افضل المصممين، واكثر الممثلين شعبية واكثر الكتاب سخرية. ولا يفوتك أن تستخدم الشارات والملابس التي تحمل رموزاً أو توحي برسائل معينة. فهذه الأمور لها دوي شعبي هائل. في بولندا كانوا يبيعون “تي شيرت” مكتوباً عليه: أنا أعارض الاشتراكية وامقتها! - ومن المهم جداً ملاحظة أن كل انتفاضة ناجحة كان لديها نصف دستة من الشارات المبهرة، التي استخدمت لتأجيج مشاعر الناس بعدما استقرت في ذاكرتهم.
(3)
4- هوّن الأمور على نفسك: مهم جداً أن تحافظ على طاقتك. كان الطلاب الصرب أذكياء حين لم يستهلكوا أنفسهم جميعاً في السهر طوال الليل، وقسموا أنفسهم بطريقة منظمة. فالقضاة والقادة السياسيون لا يصيبهم الإجهاد عادة (الإيطالي جيوليو اندريوتي قال مرة: إن السلطة ترهق فقط من لا يملكها) وهم دائماً يقظون صابرون. ونقل عن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران قوله: إننا مثل القطط، ننام بعين مفتوحة!.. ولا تنس أن الوهن يردي، ولذلك لا تطالب الناس بأن يجهدوا أنفسهم بأكثر مما ينبغي. كانت افضل المظاهرات هي تلك التي حدثت في “ليبزج” بألمانيا الشرقية، حيث كان بوسع الإنسان أن يؤدي صلاة الأحد في الكنيسة، ثم يسير مع المظاهرات في الشوارع، وبعد ذلك ينصرف إلى بيته، كالذهاب إلى مراكز التدريبات البدنية ولكن اكثر تسلية.
5- اهتم بالتلفزيون: حافظ على أن تبقى في دائرة الاهتمام الإعلامي. ففي جمهورية البلطيق “استونيا” كانت اعظم اللحظات إثارة في الثورة السلمية حواراً تلفزيونياً أجراه مخرج متعاطف. إن أخبار التلفزيون حيوية جداً خصوصاً للذين يسكنون المناطق النائية. والإعلام الأجنبي اعظم أهمية. اجعل نفسك قريباً من الصحافيين الأجانب، وليكن لديك متحدثون يجيدون اللغات. والصحافيون الأجانب قد يميلون إلى الكسل، فحاول أن ترشدهم، بل قم بعملهم بنفسك ما أمكن. الشعارات المكتوبة بالإنجليزية لها تأثيرها في التلفزيون وفي الصور. فكر في الصور: كان المتظاهرون في كوريا الجنوبية يعوقون الشرطة بأوراق الصحف المحترقة بدلاً من قنابل البترول، إنها تبدو رائعة وان لم تسبب أضرارا حقيقية.
6- جمّع ولا تفرّق: أسس الحركة على نطاق واسع، وتجنب الانقسامات التي سيكون عليك أن تعالجها في المستقبل. واستوعب المتظاهرون الصرب هذه الحقيقة فأخذوا يستحثون رجال الأمن، بل أعضاء من الحزب الحاكم على تأييد حركتهم. فحاول أن تشجع أجزاء من المؤسسة الرسمية على التضامن معك. فكل الأنظمة المراوغة تعشق الزخارف التي تبعث على الاحترام من حولها، ولذلك فإنها تدلل المؤسسة، فإذا استطعت أن تحفز المؤسسة على أن تعلن عدم ولائها للسلطة فأنت في موقف جيد. وفي هذا المجال، جاءت إضرابات الممثلين والفرق الموسيقية، ورسائل الاحتجاج من اتحادات الكتاب وغيرها.. كل هذا جاء ليلعب دوراً كتحذيرات مبكرة.
7- خذ الأمور بالتدرّج: كن حاسماً في التدرج. طالب مثلاً بأشياء وافق عليها الطغاة من قبل معتقدين أنهم يمكنهم التنصل منها. ففي الاتحاد السوفييتي السابق كانت اتفاقية هلسنكي مثار كثير من السخرية، ولكن كثيراً ما كان المنشقون يستخدمونها ويصرّون على انهم ليسوا ضد سلطة الاتحاد السوفييتي الشيوعي (تلك كذبة، فقد كانوا ضدها وكانت لهم مبرراتهم) ولكنهم إنما يحتجّون على مادة معينة مثيرة للسخرية في الدستور السوفييتي أو قانون هلسنكي الأخير. ومثل هذا حدث في صربيا، حيث لم يركز المحتجون أنظارهم على ميلوسوفيتش، بل ركزوا على رفض قبول نتائج سمح هو نفسه بإجرائها.
أكد على احترامك للقانون، وقدّم الأعمال القانونية قبل اللجوء إلى أعمال نصف قانونية أو غير قانونية. وكل تنازل (من السلطة) مهما يكن صغيراً يساعدك على الفوز. والأمر يتوقف إلى أي مدى مجتمعك على استعداد للغليان، فاضغط للحصول على تنازلات جديدة بطلبك تغييراً صغيراً آخر.
(4)
8- فكر في المستقبل: جهز الأرض لما بعد الفوز. لأن التظاهرات إذا وصلت إلى نتائجها المرغوبة، فان حركة الاحتجاج قد تتحول سريعاً إلى حكومة جنينّية. وهنا تبدأ المشكلات الحقيقية كما تبين لكل من “فاسيلاف هافل” و”ليس فالسا” وغيرهما كثير خلال التسعينات. فمن دون التخطيط المناسب يمكن لحكومتك الجديدة أن تتقلص شعبيتها سريعاً. ويعود الأشرار إلى السلطة مرة أخرى.. الأمر يحتاج إلى وقت حتى تشق الديمقراطية مجراها الصحيح، واليقظة واجبة.
9- الأبطال: بطل الثورة هو “كليشيه” يحتاج إلى التفكير في أمره بعناية، ذلك أن البطل أو القائد الصوري يمكن أن يكون كسباً حقيقياً، خصوصاً إذا كان معروفاً عالمياً، مما يجعل الحركة اكثر ألفة لا مجرد مجموعة شخصيات مجهولة لا يعرفها أحد. فكّر في أشخاص مثل “أونج سان سوكاي” أو “ليس فالسا” أو “فاسيلاف هافل”؛ فالإعلام العالمي يعرف وجوههم وأسماءهم وتاريخ حياتهم. وفي إندونيسيا ظهرت “ميجاواتي سوكارنو بوتري”، كما ظهرت في الفلبين “كوري اكينو”، وهما ليستا من المفكرين الكبار ولكنهما ينتسبان إلى شخصيتين مشهورتين مما يوفر لهما قدراً من الاحترام والشرعية.
10- لا تنزلق إلى التنازلات: احذر التنازلات، ولا تسمح لنفسك بالانخداع، فعندما تبدأ في التنازلات تبدأ في الضياع. الأشرار سيحاولون التماس أي مخرج، فاثبت على مطالبك كاملة. وتذكر انهم يعتقدون أن الديمقراطيين سذّج أغرار. أما هم فقد استمرأوا الكذب الصفيق. فإذا جرت بينك وبينهم اتفاقات كن حريصاً على أن تكون مكتوبة، وافضل من هذا أن يقرأ الاتفاقية مسؤول كبير في الدولة بنفسه أمام شاشات التلفزيون. فالوعد ليس حقيقياً حتى يذاع في نشرة الأخبار الرئيسية..
في مظاهرات عام ،1991 التي شهدتها بلجراد، سمح المتظاهرون لأنفسهم بالانخداع بوعد ميلوسوفيتش لهم أن يحقق كل مطالبهم، فلما انفضت الجماهير استعادت السلطة قبضتها على الموقف وضربت بوعودها عرض الحائط.
(5)
هذه الخبرات تستقبل بمشاعر إيجابية، لأنها أولاً من دلائل عافية المجتمعات وحيويتها. ولأنها ثانياً تقدم نموذجاً حضارياً للتعبير عن الرأي، ولأنها ثالثاً تشق نهجاً ينبذ العنف، ويعلن الاحتجاج في إطار من احترام القانون والدستور. ومن جانبنا فلنا أن نعدها إضافة مهمة تثري فقه إنكار المنكر، وتطرح في هذا الصدد أساليب مستحدثة فوق الإنكار باللسان وتحت الأفكار باليد. بسبب من ذلك فقد استغربت للغاية ذلك الهجوم الشرس على حركات الاحتجاج والتغيير، الذي شنته بعض المطبوعات “القومية” في مصر، اليومية والأسبوعية.
ولعل ما نشرته مجلة “روز اليوسف” في الأسبوع الماضي (عدد 18/6) يعد نموذجاً لذلك الهجوم، ذلك أن المجلة التي دأبت على التنديد بتحركات الجماعات الوطنية المعارضة في الآونة الأخيرة، انتهزت فرصة دعوة بعض الناشطين إلى نقل مشهد الاحتجاج إلى ضريح السيدة زينب بالقاهرة، في إطار الطقس الشعبي الذي يطلق عليه “كنس السيدة”، ووصفت رمزيته بأنها من قبيل “الخرافة والشعوذة”. واستخدمت بعض الأصوات لتشويه صورة المحتجين والتحريض عليهم، فنقلت على لسان ضابط أمن سابق قوله إن ذلك الأسلوب “نوع من الإسفاف”، يجب ان تتصدى له أجهزة الأمن بعنف باعتباره جهداً يستهدف “اختراق الجبهة الداخلية وتفكيكها”. وفي الاستطلاع الذي نشرته حول الموضوع نقلت عن وكيل وزارة الأوقاف لشؤون المساجد تصريحاً آخر قال فيه إن ما فعله أولئك الناشطون “فعل مشين ينبغي أن تنبذه كل الفئات”. كما نقلت تصريحاً لأحد أعضاء مجلس الشورى قال فيه انه “من العيب والمخزي التعبير بهذه الطريقة”.. الخ.
حين يطالع المرء مثل ذلك التشهير والتحريض. فان سؤالين كبيرين يلحان عليه هما: ما هي المصلحة الوطنية التي ترتجى من قمع تلك الأصوات، التي كانت كل “جريمتها” أنها عبرت عن احتجاجها بطريقة سلمية وقانونية؟ ثم، إذا ما نجحت محاولات القمع في بلوغ مرادها، ألا يكون ذلك مبرراً لاستحضار العنف بديلاً وخياراً لإيصال صوت الاحتجاج؟
الاسم: sayed yusuf
