الحرب السادسة : دروس وعبر

كتبهاsayed yusuf ، في 14 أغسطس 2006 الساعة: 08:42 ص

الحرب السادسة : دروس وعبر

سيد يوسف

1

تمهيد

الدروس كثيرة ولكل ٍميدانه نقتطع منها هذه المشاهد عسى أن تسهم فى إيضاح صورة لا يدركها إلا الذين تخندقوا فى خندق المقاومة ولم ينبطحوا مثل حكامهم الذين هم ليسوا منا ولسنا منهم .

(1)

إن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ

حين نطلع على ما سرب من تقرير أمريكي  يحصر بعض خسائر الكيان الصهيوني  ب343 جندياً إسرائيليا قتلى و617 جريحاً فضلا عن سقوط هيبة الجيش الصهيوني حيث أشارت

أرقام التقرير أن الكيان الصهيوني قد  خسر حتى يوم 7 أغسطس 343 جندياً قتيلاً و617 ‏جريحاً من مختلف الألوية المدرعة والمشاة والميكانيكية في خطوط الحرب أو في الخطوط الخلفية حيث ‏تساقطت الصواريخ على مواقع عسكرية متعددة بدءاً من مستوطنات الشمال حتى وسط فلسطين ‏المحتلة (حيفا، العفولة، الخضيرة إلى طبريا وعكا).‏…فضلا عن خسائر فى المعدات بلغت 118 دبابة محترقة 46 معطوبة ومصابة إصابات ‏بالغة وإحراق 96 ناقلة جند وسيارة جيب ‏وجرافات عسكرية.‏

هذا فضلا عن الخسائر الأخرى حيث ووفقا لما ورد بمقالة د / عزمى بشارة فإن حكومة الكيان الصهيونى تخفى حجم الخسائر الاقتصادية ولكنها لا تستطيع أن تخفي ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"  (يوم 9 آب) أن وزارة الدفاع التركية ألغت صفقة بقيمة 500 مليون يورو مع هيئة الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان.

وكان مفروضاً أن تقوم بتحديث 50 طائرة من طراز "فانتوم" تابعة لسلاح الجو التركي. هذا بعد إلغاء صفقات أخرى، مثلا مع كوريا الجنوبية الأسبوع الماضي حين قررت عدم شراء منظومات للإنذار المبكر من إنتاج الهيئة في صفقة تقدر ببليون دولار.

وأفادت الصحيفة نفسها قبل ذلك بيوم (8 آب) بأن الأضرار التي لحقت بالعقارات، جراء القصف، ستكلف خزينة الدولة العبرية خمسة بلايين شيكل على الأقل (101 بليون دولار). وأشارت إلى أن الأضرار المباشرة للمباني والمنازل جراء القصف منذ الأربعاء الأخير زادت بليون شيكل، وأضافت أن عدد المباني المتضررة وصل إلى 11 ألف مبنى و500 مصلحة ومصنع، فضلا عن تدمير ألف سيارة. وبحسب الصحيفة فإن الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية والأحراش تقدر ب110 ملايين دولار. لا يمكن حصر الضرر حاليا.

ونريد من هذا العرض أن نقول لقومنا عدة أمور:

* نسوق قوله تعالى " ِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً " النساء104

 فلا تحزنوا وأنتم الأعلون فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون ..وقتلانا فى الجنة إن شاء الله وقتلاهم فى النار ولعمري فهذا يطمئن قلوب المؤمنين لا قلوب الذين يحسبون الأمور بحسابات مادية تخلو منها معاني العزة والكرامة .

* بمعايير القوم فقد خسروا ، وبمعايير تحقيق الأهداف فقد خسروا ، وبمعايير الثبات فقد نجح قومنا ، وبمعايير الحق والباطل فقد نجح قومنا ، وبمعايير المنبطحين فقد رأى القوم خسائرنا ولم يروا خسائر الكيان الصهيونى  ………….وهؤلاء لا ينبغي لهم أن يشاركونا فرحتنا بما يوجع الصهاينة… وهنيئا لهم تكاثرهم كالذباب يبحثون عن لقمة ملوثة بدماء ضحايانا حين إعادة إعمار لبنان .

* خاب وخسر ، ولم ينفعه إعلامه الكاذب ، ولا أعوانه العرب المنبطحون ، ولا طابوره الخامس من المطبعين ،خاب وخسر ، وفضح وتعرى ذلك الكيان الصهيونى… لم يظهر كأسد

بل ظهر كجبان يضرب النساء والأطفال والشيوخ والآمنين فى الملاجىء ويضرب الإسعاف والمشافى..ليخفى عجزه وضعفه وفشله..وليظهر أخلاقه وشريعته التي تحض على قتل الأطفال وفق فتاوى حاخاماتهم .

* العسكريون يعرفون فشل نظرية الأمن الصهيونى حيث  بعثرتها حرب أكتوبر 1973 وأكدتها الحرب السادسة فى لبنان 2006 وعاشها كل من ( تكتل الكيان الصهيونى داخل فلسطين المحتلة ، الشعوب العربية ، العاقلون الغربيون الذين شاهدوا صواريخ حزب الله داخل الكيان الصهيونى…وغيرهم) وتكمن ها هنا مفارقة غريبة جدا أن هناك ثلاث فئات لا – ولم- تصدق انهيار هذه النظرية حتى الآن : جيش الكيان الصهيونى ، الحكام العرب ، العسكريون الأمريكيون!!!

 

(2)

عذرا للنحاة

يقول النحاة أقبل الحمير إلا رجلا  فيقولون إن هذا استثناء منقطع ، وعلى السياق نقول ، خاب حكام العرب إلا تشافيز(حاكم فنزويلا)…. فقد بات واضحا أين يتخندق هؤلاء ، وبات واضحا من يدافع عن الكيان الصهيونى ضد الشعوب العربية الغاضبة، وبات واضحا أن التخلص من هؤلاء أصبح ضرورة حتى تملك شعوبنا قراراتها بأنفسها….وأصبح من المسلمات أن بقاءهم يعنى حماية امن الصهاينة وخراب ديارنا من خيراتها.

(3)

الحاجة إلى قادة

كنا نتساءل عما تعانيه أمتنا هل هو: أزمة أمة أم أزمة نخبة وقيادة ؟

وكنا نقول : إن الأمة حين يبز فيها بعض الأفراد دون أن تصنع رجالا يغذون الإنسانية علما وثقافة وفكرا فإنها أمة على خطر ولولا بعض أفرادها النابغين لقلنا هى على خطر عظيم ذلك أن أى أمة هى بنخبها المفكرة لا استعلاء بل إنتاجا وتواضعا لخدمة بنى قومها فهل عجزت مؤسساتنا/جمعياتنا/أحزابنا/ حركاتنا/تنظيماتنا بفروعها المختلفة عن تحقيق مقاصد التغيير الايجابي الفعال فى مجتمعاتنا؟وهل جفت منابع أمتنا عن استنبات قادة ورجال يحسنون البناء وعلاج الخلل؟! وكيف نستنبت هؤلاء القادة إذا كانت بنيتنا الفكرية بها بعض العطب وتحتاج إلى إعادة تأمل؟!

ورغم ذلك فقد  أبرزت تلك الحرب أن شعوبنا العربية ما تزال  بخير ، تخندقها مع المقاومة ، وتوحدها مع السيد حسن نصرالله يبرز الاحتياج الشديد لقادة لهذه الأمة.. فقد أبرزت هذه الحرب أن أزمة أمتنا فى قيادتها ولم تكن فى شعوبها وإن شئت الدقة فقل هى مزيج من الأمرين لذا بات من الضرورى تلبية تلك الاحتياجات :

* مراجعة شاملة لموروثاتها الفكرية ومواقفها العملية بنقد بصير دون جلد ذات ولا تهوين يغض الطرف عن أخطائنا أو تقديس يرفع الخطأ عن رموزنا التاريخية…فلا أحد يعلو على النقد ولا تاريخ يسلم من أخطاء .

* حسن مجابهة الاستفزازات الغربية بحيث تجمعنا ولا تفرقنا وتظهر للعالمين أننا أمة يوحدها الخطر ويلم شعثها الاستفزاز ويحفز همتها النيل من كرامتها على أن يكون ذلك بوعى بصير وحماس هادف .

* خلق هدف سام تسعى إليه الأمة بمفكريها المخلصين وببنيها الفاقهين وأراه فى إحياء الخلافة الإسلامية للم شعث المسلمين فى أنحاء العالم..وإنا لعلى ثقة بعودتها لما ورد فى ذلك من نصوص صحيحة وصريحة ولعل مراجعة موضوع كلام فى عودة الخلافة الإسلامية يسهم فى إيضاح هذه المفردة.

* إعادة النظر فى تفسير إصابات الأمة الإسلامية وإحباطاتها فيما يصيبها من محن وفتن وتكالب الآخرين علينا (الحملات الصليبية قديما واستهداف الغرب لنا فى الحاضر –أيا كانت مبررات ذلك الاستهداف مؤقتا-) على أن كل ذلك ما هو إلا تسليط عقاب ، وليس استئصال ، وإبادة…فلقد قالها الفاقهون حين استقرأوا التاريخ قالوا لو أراد الله استئصالا لهذه الأمة ولهذا الدين لحدث ذلك وهذا الدين فى مهاده الأولى إبان كان وليدا ضعيفا…..ونرجو تدريس وتوريث تلك الفكرة للأجيال القادمة عبر وسائط التربية والإعلام المختلفة .

* ولعله لا يتأتى ذلك إلا من خلال عدة وسائل منها مجابهة الاستبداد السياسى والاستغلال الاجتماعي باسم الدين أولئك الذين يخدمون الحاكم بتوظيف الإسلام من أجل تبرير أفعالهم المشينة ومنها محاصرة الكتاب السياسيين الذين يسهمون فى تبرير الواقع السياسى المرير والظالم ومنها إيقاظ الوعى المخدر فى نفوس أبناء هذه الأمة  ومنها دعوة الناس كل الناس للاعتصام بمنهاج ربها الذى جاء فى قرآن ربها قوله تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )

(4)

برمجة بعض العقول

استطاع عدونا أن يبرمج عقول بعض أبناء أمتنا بفئات عريضة بحيث تتبنى قضايا حين تثيرها لا تخدم سوى الأجندة الصهيونية مع تقدير حسن النية لبعضهم وليس أدل على ذلك من الخلاف الحاد الذى أثير حول موقف الشيعة والخلاف مع أهل السنة وقد أحسن الغيورون العاقلون حين انضموا إلى المقاومة دون أن يثيروا ذلك الخلاف وقد كان يرجو كثير من أبناء أمتنا تأجيل تلك الاختلافات حتى حين لكن هذا الأمر وأشباهه يحتاج إلى وقفة لاحتمالية تكراره بصور مختلفة فى أزمات – محتملة – قادمة حيث ما تزال هذه العقول كما هى رغم فتاوى العلماء الثقات فى هذا الموضوع.

(5)

أوهام بعثرتها المقاومة

استطاعت المقاومة لا سيما من قبل فى فلسطين ، ومن بعد فى لبنان والعراق  أن تنبىء الصهاينة والأمريكان وأذنابهم من المطبعين وأشباههم  بعدة أمور :

* تبعثر وهم السلام الذى يسوقه الغرب حين لا يراعى كرامة أمتنا .

* أى مشاريع تخص تفتيت الأمة لا مكان لها ومن ثم فمشروع الشرق الأوسط ما هو إلا وهم قد تخدعون به أذنابكم ولربما شاركوكم فيه فهم ليسوا منا لكن تكلفته ستكون باهظة فضلا عن فشله المحقق قريبا .

* هؤلاء الحكام الذين هم منكم وليسوا منا فضحتهم المقاومة ، ومن ثم عليكم أن تفكروا فى إيجاد البديل ..على أن يكون أذكى من ذلك ولو قليلا …مع عدم الوعد بعدم تعريته من قِبلنا.

* هناك فارق بين النصر وبين التمكين ونرجو دراسة ذلك من قبل الفاقهين حتى لا نحمل المقاومة الصغيرة مشاريع الأمم الكبيرة .

* ليس إعلامنا فقط هو الكاذب والخادع وليس أدل على ذلك من إعلام الغرب والصهاينة وما أحداث قناة “فور نيوز” وصحف “فاينانشيال تايمز” و”ديلي ميل” و”ديلي ميرور” عنا ببعيد

وقد أحسنت قناتى الجزيرة والمنار  رغم اعتراض البعض فى تغطية الأحداث بشكل احترافى رغم القيود الصهيونية …وهو الأمر الذى بات من الضرورى على إعلامنا فى كل بلدة أن يقتدى بهما…قبل أن يزداد سحب البساط من تحت أقدامهم.

(5)

مخاوف

إن أخشى ما يخشاه الغيورون على مصلحة هذه البلاد أن يجتمع المرتزقة  والمجرمون من الغرب وأذنابهم من الشرق ليأكلوا سويا ومعا وفق تقسيم دقيق للكحكة اللبنانية حين يعاد إعماره من جديد وأقصد بالمرتزقة والمجرمين أمريكا وبعض دول الغرب واليهود والحكام العرب فكلهم فى خندق واحد .

أسأل الله أن يحمى بلادنا من خيانة الساسة الذين يحولون النصر إلى هزيمة بسهولة ويسر.

سيد يوسف

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

16 تعليق على “الحرب السادسة : دروس وعبر”

  1. كتب الاستاذ فهمى هويدى تحت عنوان

    آن لزمان الضفادع أن يولي

    لا أستطيع أن أفترض البراءة‏,‏ ولا حتي الغباء في أولئك الذين يصرون علي التهوين في شأن الإنجاز الكبير الذي حققه حزب الله في مواجهته الباسلة للانقضاض الإسرائيلي علي لبنان‏.‏ ولأن ذلك الإنجاز واضح لكل ذي عينين‏.‏ فقد اقتعنت بأننا لسنا بازاء مشكلة قصر في النظر أو ضعف في البصر ولكننا بازاء أزمة ضمير وافتقاد للبصيرة‏.‏

    ‏(1)‏ الرسالة واضحة في قرار رئيس الأركان الإسرائيلي عزل الجنرال أدوي آدم قائد المنطقة الشمالية‏,‏ الذي تخوض قواته المعركة ضد حزب الله‏,‏ وهو ابن الجنرال يوكتئيل آدم الذي كان نائبا لرئيس الأركان‏,‏ وقتل بنيران حزب الله‏,‏ أثناء غزو لبنان في عام‏1982.‏

    القرار وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلي بأنه زلزال في الجيش‏.‏ وبثت إذاعة الجيش صباح يوم‏8/9‏ تعليقا عليه لمراسلها روني شيلدهاف‏,‏ قال فيه إنه يعبر عن حجم الاحباط الذي يسود القيادة العسكرية والسياسية من تعثر المعركة في مواجهة حزب الله‏,‏ وعجز الجيش عن حسمها‏.‏ بعد مضي شهر علي الحرب‏,‏ برغم أن الرجل يعمل الي جواره من الجنرالات وتحت أمرته أكثر من عشرة آلاف جندي‏,‏ يواجهون عدة مئات من مقاتلي حزب الله‏.‏

    المفكر الإسرائيلي والكاتب الساخر يونتان شام أور كان أكثر صراحة في تقييمه للموقف‏,‏ فقد نشرت له صحيفة معاريف في‏8/2‏ مقالة قال فيها‏:‏ لقد خسرنا‏.‏ ولم يعد مهما إذا كان الجيش سيصل الي نهر الليطاني أو أنهم سيأتون إلينا برأس نصر الله‏,‏ فقد انتصروا وأصبحنا نحن الخاسرين‏.‏ ثم أضاف قائلا إن المواجهة الحالية لن تقضي علي المستقبل السياسي لحزب كاديما الذي يقوده أولمرت‏,‏ ولكنها أيضا ستلقي بظلالها علي مستقبل المواجهات القادمة بين إسرائيل وحركات المقاومة العربية‏.‏ ذلك أن إسرائيل بعدما فقدت قوة الردع سيصبح بمقدور أي جماعة من خصومها أن تتغوط عليـــنا بــــأي عـــدد من الصواريخ يروق لهـا‏.‏

    في الوقت ذاته فإن ثمة اتفاقا بين المعلقين في الدولة العبرية علي أن الزلزال سيشمل المستوي السياسي فضلا عن العسكري في إسرائيل‏.‏ إذ يتحدث البعض عن تشكيل لجنة تحقيق في خيبة الجيش‏,‏ قد تطيح برأس رئيس الأركان ذاته دان حالوتس لضعف أدائه‏,‏ حيث يرجح أن توصي بعدم تعيين رئيس للأركان مثله قضي خبرته العسكرية في سلاح الجو‏.‏ وقد تحدث الصحفيان افي زخاروف وعاموس هائيل عن انتقادات حادة في قيادة الجيش لطريقة ادارة الحرب‏.‏ ونقلا عن بعض القادة في مقالة مشتركة نشرتها هآرتس في‏8/2‏ انتقادهم لما سموه بـ خطيئة الغرور التي تصور معها مخططو الحرب انه بالإمكان القضاء علي خطر صواريخ حزب الله بالغارات الجوية‏.‏ في حين أشار أولئك القادة الي الإهمال المتواصل لتدريبات وحدات الاحتياط ومعداتها‏,‏ وتوقعوا أن يحدث التحقيق في ملابسات الحرب ومسارها صدمة كبري في الجيش الإسرائيلي‏.‏

    ‏(2)‏ الصحفي يوئيل ماركوس نشرت له صحيفة هآرتس مقالة في‏8/7‏ أشار فيها إلي أن التأييد الجارف من جانب الجمهور الإسرائيلي للحرب‏,‏ يذكر بالنكتة المعروفة عن جمهور للأوبرا ظل يصفق طويلا للمغنية‏,‏ حتي صاح واحد من الحاضرين قائلا‏:‏ لن نسمح لك بالنزول عن المسرح حتي تتعلمي الغناء‏!‏

    أضاف ماركوس المعروف بكتاباته اللاذعة أن الأغلبية أيدت الحكومة رغم أن مابين‏100‏ إلي‏200‏ صاروخ تضرب إسرائيل يوميا من المطلة وحتي حيفا‏.‏ وذلك كابوس لم نتوقعه حتي في أسوأ أحلامنا‏.‏ وحذر من الأسئلة المحرجة التي سيطرحها الناس حول المكسب والخسارة في الحملة العسكرية‏.‏

    مثل هذه التعليقات التي تعبر عن فقدان الثقة وخيبة الأمل باتت تحفل بها وسائل الإعلام الإسرائيلي‏.‏ ففي صبيحة الخميس‏8/2‏ قال معلق الإذاعة العبرية ان نجاح المقاومة في استهداف العمق الإسرائيلي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع علي الحرب يمثل فضيحة للدولة وجيشها‏,‏ وفي نفس اليوم نشرت صحيفة هآرتس في افتتاحيتها تعليقا علي خطاب رئيس الوزراء ايهود أولمرت الذي قال فيه ان إسرائيل حققت في الحرب الحالية إنجازات غير مسبوقة‏.‏ وفي التعليق ذكرت أن قادة إسرائيل يعتمدون لغة الخطابة‏,‏ في حين أن حزب الله يعتمد لغة الفعل بالدرجة الأولي‏.‏ وفي نفس العدد نشر المؤرخ والمفكر الإسرائيلي توم سيغف مقالة مسكونة بالمرارة تحدث فيها عن انعدام مصداقية قادة الجيش وترددهم‏,‏ وعجزهم عن اقناع الجمهور بأنهم حققوا انجازا في الحرب‏.‏

    هآرتس نشرت أيضا مقالة للمفكر والمؤرخ زئيف شترنهال قال فيها بصراحة إن هذه الحرب هي الأكثر فشلا التي تخوضها الدولة العبرية طوال تاريخها‏.‏ وأضاف أنه بعد ثلاثة أسابيع تحدث أولمرت علي نحو موغل في التفاؤل‏,‏ في حين أنه هو وحكومته وجيشه تحولوا وأصبحوا يخفضون من سقف الأهداف التي وضعوها للحرب‏.‏ فبعد أن قالوا إنه يجب تحقيق هدفين رئيسيين هما‏:‏ استعادة قوة إسرائيل الردعية في مواجهة العرب‏,‏ وتصفية حزب الله نهائيا‏,‏ وجدنا أن الهدفين تراجعا ليصبح هدف الحرب الرئيسي هو مجرد ابعاد مواقع حزب الله الأمامية عن الحدود الشمالية لإسرائيل‏,‏ ونشر قوات دولية علي الحدود‏.‏

    الجنرال زئيف شيف كبير المعلقين العسكريين في صحيفة هآرتس كتب مشيرا إلي أن وزيرة الخارجية الأمريكية وأركان الادارة في واشنطن كانوا من أكثر المتحمسين لمواصلة اسرائيل للحرب حتي تنجح في إخضاع حزب الله واستسلامه‏.‏ لكن الأداء العسكري الإسرائيلي خيب آمال المسئولين الأمريكيين‏,‏ الذين استغربوا قدرة المقاومة اللبنانية علي مواصلة حرب الاستنزاف ضد الدولة العبرية بعد مرور أربعة أسابيع علي المعارك‏.‏

    ‏(3)‏ إضافة إلي الاعتراف بالهزيمة‏,‏ وفقدان الثقة في أداء القوات المسلحة وقرارات الحكومة الإسرائيلية‏,‏ فإن الصدمة أحدثت اهتزازات واصداء أخري‏,‏ كان من بينها علي سبيل المثال‏:‏ ـ

    ‏*‏ اتهام أمريكا بتوريط إسرائيل‏:‏ هذه الفكرة ترددت في كتابات عدد من المحللين والخبراء‏.‏ عبر عن ذلك تسفي بارئيل محرر الشئون العربية في هآرس‏,‏ الذي قال صراحة إن واشنطن تحاول توريط إسرائيل في حرب دينية ضد العالمين العربي والإسلامي‏.‏ وهذه الفكرة عبر عنها آخرون ممن حذروا من مغبة وقوع إسرائيل ضحية اغراء التأييد الأمريكي لها في الحرب‏.‏ وكانت زهافا غلون رئيس كتلة حزب ياحد اليساري وعضو الكنيست قد وصفت التأييد الأمريكي بأنه توريط في المستنقع اللبناني‏.‏ الموقف ذاته تبناه المؤرخ البارز توم سيغف الذي قال في مقالة نشرتها هآرتس إن للولايات المتحدة دورا كبيرا في توريط إسرائيل في الحرب‏.‏

    وأعاد الي الأذهان حقيقة أن الولايات المتحدة تنقصها الدراية الكافية بكيفية التعامل مع العالم العربي‏,‏ بخلاف أوروبا‏.‏ وقال إنه كان من الأفضل لإسرائيل الدخول في مفاوضات لإطلاق الأسيرين‏.‏ وللعلم فإن عددا غير قليل من الساسة اليساريين في إسرائيل اعتبروا أن هذه حرب تشنها بلادهم بالوكالة عن الولايات المتحدة‏,‏ وهي في النهاية لن تخدم لا إسرائيل ولا أمريكا‏,‏ كما قالت زهانا غلون‏.‏

    ‏*‏ رسائل مغازلة سوريا‏:‏ أجمعت التقارير الصحفية علي أن إسرائيل منذ بداية الحرب حرصت علي طمأنة سوريا الي أن الحملة ضد حزب الله لن تشملها‏.‏ ولكن اصواتا إسرائيلية عدة ذهبت الي أبعد‏,‏ فدعت الي إحياء المسار التفاوضي مع دمشق وعقد صفقة معها حول هضبة الجولان‏,‏ بما يؤدي الي عزلها عن حزب الله وإيران‏.‏ ومن أبرز الداعين الي ذلك الجنرال أوري ساغيه رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق‏,‏ الذي رأس فريق المفاوضات مع سوريا علي عهد رئيس الوزراء الأسبق باراك‏(‏ عام‏1999).‏ وقد أعلن الرجل عن ذلك في تصريحات للإذاعة العبرية‏,‏ دعا فيها حكومة تل أبيب لأن تكون مستعدة لدفع الثمن المناسب لإقناع سوريا بعقد الصفقة‏.‏

    ‏*‏ أمل بديلا عن حزب الله‏:‏ تحدث خبراء آخرون عن عزل حزب الله‏,‏ عن طريق التعامل مع حركة أمل‏,‏ واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشيعة في لبنان‏.‏ دعا الي ذلك الدكتور يسحاك بيلي‏,‏ المستشار السابق لوزارة الحرب لشئون الشيعة‏,‏ إذ حث تل أبيب وواشنطن علي التعاون في جذب حركة أمل والتركيز علي تمثيلها للشيعة في الجنوب بوجه أخص‏.‏ وركز علي أن ثمة فروقا بين الحركتين‏,‏ أبرزها أن حركة أمل علمانية وذات قيادة معتدلة‏,‏ في حين أن حزب الله له توجهاته الأصولية المتطرفة‏.‏

    ‏(4)‏ حلم هذا كله أم علم؟ ـ السؤال طرحه العم أمين هويدي وزير الحربية ورئيس المخابرات الأسبق‏,‏ الذي عاصر كل حروب العرب مع إسرائيل‏,‏ وقال‏:‏ من كان يحلم بأن ينقل طرف عربي الخوف والوجع الي إسرائيل‏,‏ فيهددها لأول مرة في تاريخها‏,‏ ويضرب عمقها واصلا الي صفد وطبريا والعفولة‏,‏ ويدفع بسكانها الي المخابيء التي لم يدخلوها منذ نصف قرن‏.‏ بل ولا يتردد في التصريح بضرب تل أبيل إن هي قصفت بيروت؟ ـ من كان يخطر له أن تنجح المقاومة الإسلامية في هدم نظرية الأمن الإسرائيلي‏,‏ وافقاد العدو قدرته علي الردع‏,‏ واسقاط هيبة الجيش الذي قالوا إنه لا يقهر‏,‏ وأيضا إسقاط هيبة أجهزة المخابرات الثلاثة‏:‏ الموساد والسي آي ايه‏(‏ الأمريكية‏)‏ ومخابرات حلف الناتو؟ ـ من كان يتصور في اجواء الاحباط والهزيمة المخيمة أن تقلب المعارك بالكامل في المنطقة‏,‏ علي نحو يحدث نقلة نوعية مهمة في موازين القوي‏,‏ تجاوزت بكثير ما حققه العبور المصري الي سيناء عام‏73.‏ وهي النقلة التي أكدتها بنجاح علي الأراضي‏,‏ وستحقق هدفها‏,‏ وستجني الأمة العربية ثمارها‏,‏ إذا أحسن السياسيون توظيفها بنفس درجة الكفاءة التي شهدناها في ساحة القتال‏.‏

    المفاجأة في الانجاز كان لها صداها القوي في اوساط عرب‏48‏ الذين يعيشون في ظل الذل والعنصرية داخل إسرائيل‏,‏ صحيفة القدس العربي استكتبت عددا من أدباء حيفا‏(‏ في عدد‏8/8),‏ فقال الكاتب سليم أبو جبل إنه حين يهرول اليهود الي الملاجيء خائفين‏,‏ فإن العرب يخرجون لمشاهدة القذيفة القادمة‏,‏ كأنها هدية جاءتهم بعد طول انتظار‏.‏ وقال الشاعر حنا أبو حنا إنه بعد الذي جري‏,‏ فقد آن لزمان الضفادع أن يولي‏.‏

    هذه المشاعر الجياشة التي تملأ الشارع العربي‏,‏ وهذه الروح الجديدة التي سرت في أوصال الأمة‏,‏ لم يصل شيء منها الي دعاة التهوين‏.‏ وإذا كنت قد فسرت موقفهم في البداية بحسبانه تجسيدا لأزمة البصيرة وليس البصر‏,‏ إلا أنني صرت أفكر في أمر آخر‏,‏ حين قرأت تحليلا نشرته صحيفة يديعوت احرونوت‏(‏ في‏8/7)‏ للمحررة السياسية سيماكرمون‏,‏ ذكرت فيه أنه لأول مرة وزع مكتب رئيس الوزراء‏,‏ رسالة مطبوعة علي الوزراء‏.‏ نبهتهم الي ضرورة التأكيد في تصريحاتهم الصحفية علي أن إسرائيل انتصرت وألحقت الهزيمة بحزب الله‏.‏ وهو ما دفعني الي التساؤل عما إذا كانت نسخ من تلك الرسالة وزعت علي عناصر المارينز في دوائر الإعلام العربي؟

  2. وتحت عنوان

    عشرون سؤالاً تضع مسئولية الهزيمة فوق رأس أولمرت ووزرائه كتب احدهم رعاه الله

    في أول إعلان رسمي عن خسائر العدو الصهيوني بعد شهر من الحرب على لبنان صدر عن العدو الصهيوني عدد من الإحصائيات حول حجم الخسائر إلا أن كثيرًا من المراقبين شككوا في الأرقام التي جاءت فيها، وأرجعت عدم دقتها إلى أنها قد تكون أولية وليست نهائية
    وطبقًا لهذه الإحصائيات فإن العدو تكبد في الحرب 156 قتيلاً من بينهم 117 جنديًّا و39 صهيونيًّا من غير الجنود النظاميين، كما تكبَّد الكيان الصهيوني خسائر مادية بقيمة 25 مليار شيكل أنفق معظمها على تجهيز الجنود ومعدات القتال وما شابه ذلك، في حين خسر الجيش 3.970 صاروخًا أطلقها على الأحياء المدنية في مناطق متفرقة من لبنان ولم تصب الهدف، كما أن سلاح الجو الصهيوني خسر 4 طائرات أسقطها مقاتلو حزب الله.

    وذكرت الإحصائية أن 5000 صهيوني أُصيبوا بجروحٍ مختلفة خلال الحرب، منهم 311 ما زالوا نزلاء في المستشفيات نتيجة إصاباتهم البالغة، كما تهدم 12 ألف منزل معظمها للمستوطنين في مناطق متفرقة تعرضت للقصف بصواريخ الكاتيوشا، خاصةً في حيفا وعكا ومستعمرة كريات شمونا، في حين أحرقت أكثر من 750 ألف شجرة، وفي المقابل جاء في البيان أن جيش العدو شن 15 ألف غارة جوية على لبنان، ضد 7 آلاف موقع اعتبرها الجيش ” أهدافا”، بينما كان معظمها أحياءً مدنية بادعاء استهداف عناصر من حزب الله، كما أبحرت السفن الحربية للعدو لمدة 800 ساعة.

    وزعم الكيان الصهيوني أنه قتل 500 من عناصر حزب الله، ودمَّر 126 منصة لإطلاق الصواريخ.

    على جانبٍ آخر كشفت صحيفة “هاآرتس” العبرية الصادرة اليوم الإثنين أن لجنة التحقيق التي من المقرر أن يتولاها قاضي المحكمة العليا في الكيان الصهيوني ستقوم بطرح عشرين سؤالاً على رئيس الوزراء الصهيوني “إيهود أولمرت” ووزير حربه “عمير بيرتس” ووزيرة الخارجية “تسيبي ليفني”، بالإضافة لرئيس الأركان “دان حالوتس” وعدد آخر من قادة الجيش الصهيوني، ومنها:

    1. كيف ولماذا اتخذ قرار رئيس الوزراء، إيهود أولمرت لشنِّ حربٍ في لبنان ردًّا على هجوم حزب الله واختطاف الجنود قرب زرعيت في 12 يوليو؟ مَن كان شريكًا في قراره، قبل أن يطرح على الحكومة للمصادقة عليه، وما الاعتبارات التي أُخذت في الحسبان؟

    2. هل تمَّ النظر في إمكانية إجراء مفاوضات على استبدال المختطفين بسجناء في الكيان الصهيوني، مثلما اقترح حسن نصرالله- ومثلما سيتم في ختام الحرب؟ هل تقدير الوضع كان في أن عملية للجيش “الإسرائيلي” ستضغط على حزب الله كي يطلق المخطوفين دون مقابل؟
    3. وعلى سبيل البديل لماذا لم يقصف من الجو الموقع الذي ألقى منه نصر الله خطابًا في ذات اليوم؟

    4. لماذا أجيب على سؤال النائبِ الأول لرئيس الوزراء شمعون بيرس، عمَّا سيحصل في المراحل التالية من الحملة، باستخفافٍ في جلسةِ الحكومة؟.

    5. هل رئيس الأركان الفريق دان حالوتس خلق أمام القيادة السياسية الانطباع بأن عملية جوية ستكفي لتحقيق الأهداف التي حددت للحرب- إعادة المخطوفين، انتشار الجيش اللبناني في الجنوب ونزع سلاح حزب الله في الشمال؟ وهل شكك أحد ما في هذا المفهوم؟

    6. ماذا عرف أولمرت ووزير الدفاع عمير بيرتس عن مستوى جاهزية الجيش للمواجهة مع حزب الله، وعن أهلية وحدات الاحتياط، وقدرة المنظومات المدنية على العناية بسكان الجبهة الداخلية؟ وهل كلفا نفسيهما عناء الاستيضاح بذلك قبل أن يقررا فتح الحرب؟ وهل الجيش وقيادة الجبهة الداخلية حذَّرت أمامهما من جاهزية مخلولة؟

    7. لماذا أُزيلت حالة التأهب في قيادة المنطقة الشمالية عشية اختطاف الجنديين؟ وما نقاط الخلل التي كانت في أداء القوة التي هُوجمت قرب زرعيت في 12 من يوليو؟

    8. لماذا فشلت الاستخبارات في العثور على مخبأ زعماء حزب الله، ففشلت كل المحاولات لإصابتهم؟ وهل كانوا تحت المراقبة الدائمة قبل الحرب؟

    9. لماذا فُوجئ الجيش من وجود صواريخ ضد السفن بحوزة حزب الله؟ ولماذا أرسلت البارجة حنيت للعمل قبالة شواطئ لبنان فيما كانت أجهزتها الدفاعية مطفأة وكانت عُرضةً للضرب؟

    10. ماذا عرفت الاستخبارات عن الصواريخ المضادة للدروع المتطورة بحوزة حزب الله؟ هل الذراع البري طوَّر نظرية قتالية لتصدي القوات المدرعة مع العدو؟

    11. ماذا كان تقدير الاستخبارات عن منظومة حزب الله خلف الحدود، وهل نقل هذا التقدير في موعده إلى قيادة المنطقة الشمالية واستوعبه وعي القوات؟

    12. هل في ضوء الفشل في منع إطلاق الصواريخ، صدر لسلاح الجو أمر بتدمير المنازل “على مقربة من المكان الذي تطلق منه الصواريخ”، ونتيجة لهذا الأمر قصفت كفر قانا في 30 من يوليو وقُتل عشرات المدنيين اللبنانيين.

    13. هل حالات أخرى من قتل المدنيين في لبنان نبعت من المرونة في نظام المصادقات للقصف في المناطق المأهولة؟

    14. كيف جُرت- إسرائيل- إلى عمليةٍ بريةٍ مترددة في جنوب لبنان؟ مَن بادر ومَن صادق عليها؟ وماذا كانت الأهداف والاعتبارات التي عُرضت على القيادة السياسية؟

    15. هل صحيحًا كان إقصاء أودي آدام، قائد المنطقة الشمالية عن إدارة القتال والتنصيب فوقه نائب رئيس الأركان؟

    16. هل في المداولات التي سبقت قرار شن الحرب، وتوسيعها إلى ما أبعد من رد الفعل الجوي الأولي، أطلق التقدير بأنَّ بوسع حزب الله أن يطلق على مدى شهر 100- 200 صاروخ في اليوم نحو قرى ومدن الشمال وإلزام سكانه الملاجئ؟ وماذا كان التقدير الأولي لمدى استمرار القتال والضرر المتوقع للجبهة الداخلية؟

    17. لماذا لم يتقرر مسئول عن العناية بسكان الشمال؟ لماذا لم يعد إخلاء مرتب للسكان؟

    18. كيف حصل أن أرسلت وحدات الاحتياط إلى ميدان القتال دون دعمٍ لوجستي كافٍ؟ هل رفع تقرير بالنقص من رئيس الوزراء وللقيادة السياسية، وأخذ بالحسبان في اتخاذ القرارات باستخدام القوات البرية؟

    19. استنادًا إلى ماذا ادعى رئيس الوزراء، في خطابه في كلية الأمن القومي في 1 أغسطس، بأن إنجازات الحرب “غير مسبوقة”؟ وعلى ماذا جرى الحديث في “جلسات الطاقم” المساعد لأولمرت والسلوك السياسي والجماهيري، في أثناء الحرب؟

    20. لماذا قرر أولمرت وبيرتس توسيع العملية البرية يوم الجمعة الماضي، عندما صادق مجلس الأمن على وقف النار- وهو القرار الذي تكلف حياة 33 جنديًّا قتيلاً؟

  3. وكتب نبيل علقم تحت عنوان النصر والهزيمة- قراءة في الغزو الإسرائيلي للبنان

    ما يلى

    يتجاوز مفهوم النصر والهزيمة حرفية المعنى إلى مستوى دلالي أعمق بكثير من دلالة السطح اللغوي. فهذه الحرفية توحي بأن هناك مهزومٌ ومنتصرٌ أو غالب ومغلوب كأية لعبة من ألعاب ورق الشدّة أو النرد أو الشطرنج وسواها. ولكن المستوى الأعمق مثقل بالمعاني أهمها شروط دخول اللعبة، فحينما نقول انتصر فلان أو الطرف الفلاني في خصامه أو معركته مع فلان أو مع الطرف الفلاني، فإنه يتداعى إلى أذهاننا أن الخصمين متوازنان في القوة والكفاءة، التي تمنح كلاًّ منهما الثقة بالنصر أو الأمل به، وإلا لما خاض طرف منهما الخصام أو المعركة، معترفاً للآخر بأنه ليس مؤهلاً لهذه المعركة. وهكذا غزت إسرائيل لبنان وهي تعتقد أن لديها كفاءة عالية في العدوان ستحقق بها النصر على حزب الله، وقبل حزب الله الدفاع عن لبنان وعن الأمة كلها وهو يعتقد أن لديه كفاءة عالية في ردّ العدوان.
    والسؤال هنا: ما عناصر القوة التي اعتمد عليها كل طرف، وكيف عملت هذه العناصر، وماذا كانت النتائج، وبناء على ذلك، ما معنى النصر أو الهزيمة، وكيف نقيم كلاً منهما؟
    إن عناصر القوة الإسرائيلية كثيرة، مما توحي للمراقبين وغير المراقبين بأنها قوة غير قابلة للهزيمة. وهذا الإيحاء نفسه يشكل جزءاً مهماً من عناصر هذه القوة الإسرائيلية، إذ أن أطرافاً كثيرة من الحكام العرب تتصرف بناءً على هذا الإيحاء، وحتى لو لم تكن مقتنعة به، فإنها تسوّقه لشعوبها عبر آلتها الإعلامية.
    إن أبرز عناصر القوة الإسرائيلية هو الدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة في مجالات التسليح والتصنيع، والاتصالات والاليكترونيات، والإعلام والدعم السياسي والاقتصادي. وبدون هذه المساعدات بهذه الصورة تفقد إسرائيل هيكليتها كدولة، لأنها دولة قائمة على المساعدات الأميركية مقابل الخدمات التي تؤديها للمصالح الأميركية في المنطقة. ويضاف إلى ذلك الدعم الأوروبي المتفاوت في حجمه بين دولة وأخرى، ولكن الدعم الأوروبي إجمالاً هو عنصر من عناصر القوة الإسرائيلية لا يمكن التقليل من حجمه. ويستتبع هذا الدعم الأميركي والأوروبي دعماً يكاد أن يكون مطلقاً من قبل مجلس الأمن الذي تهيمن عليه السياسة الأميركية، والذي يعنيه في النهاية أمن أميركا وأوروبا ومصالحهما بصورة خاصة, ويأتي الأمن الإسرائيلي على قائمتهما، لأن إسرائيل في بعض مكوناتها امتداد للغرب بمصالحه وبعنصريته واستعلائه على سائر شعوب العالم.
    ولأن اسرائيل امتداد للغرب في جوانب كثيرة من ثقافته، فإن هذا يمنحها عدداً من الصفات التي تصب في صالح قوتها، وأول هذه الصفات التفوق العلمي، إذ لديها إمكانات لتطوير التقنيات التي تخدم وجودها كدولة، فهي قادرة على تطوير الصناعات العسكرية وغير العسكرية، مما يمنحها قوة في عدة مجالات منها الاقتصادي والعسكري والإعلامي والإداري والسياسي والقانوني التي تعمل كلها لخدمة الدولة، ولا يخون حزب يميني أو يساري المشروع الصهيوني رغم التفاوت الكبير بين الأحزاب المختلفة في برامجها التي تصب كلها في ذات الأيديولوجيا، وذات الاستراتيجيات العدوانية. وثاني هذه الصفات أن انتماءها إلى الغرب الاستعماري هو الذي أسس لوجودها بروح هذا الاستعمار وجوهره وتغير أشكاله، ولكنه يقوم أساساً على الاستعمار الاستيطاني، والذي جسّدت فيه إسرائيل النموذج الأبشع لهذا الاستعمار الذي قام على اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم وتشريدهم منه. ويعني ذلك أن إسرائيل كالغرب تتبنى فكرة العنصرية وتطبقها بصورة فاقت كل التصورات، وليست العنصرية مجرد رأي أو رؤية، بل هي فعل مبني على الرؤية، ينتج عنه ابتداء التمييز في الحقوق والواجبات وينتهي باقتراف الجرائم ضدّ الغير. وضمن هذه الرؤية لا يتورع العنصريون عن قتل المدنيين أو الأطفال أو المرضى أو النساء، ولا يتورعون عن تعذيب المعتقلين بصور يندى لها جبين الإنسانية على الرغم من الحديث الدائم عن حقوق الإنسان. وليست العنصرية النازية مع جيرانها الأوروبيين ومع اليهود أنفسهم، وقبلها عنصرية الرجل الأبيض في أميركا ضدّ الهنود الحمر وإبادتهم، و ضد استرقاق السود الأفارقة واضطهادهم إلا أمثلة على هذه العنصرية. وهكذا فإن الإرهاب الغربي، وعلى رأسه الإرهاب الإسرائيلي، هو الثمرة الطبيعية لهذه الصفات المجتمعة، وهذا الإرهاب بمختلف صوره التي نعرفها يضيف عنصراً من عناصر القوة التي يحسبها الإسرائيليون في ميزانهم.
    ومن أكبر عناصر القوة الاسرائيلية، ضعف النظام السياسي العربي، وهذا النظام يكتسب مؤهلات وجوده وصفاته من مصدرين: تاريخي تمتد جذوره في النظام العربي القبلي-العشائري من جهة، والمصري الفرعوني من جهة أخرى، وما اكتسبه من نمو في توظيف كل المتغيرات لصالحه، بما في ذلك توظيف “طاعة أولي الأمر” بصورة مخالفة لمعناها ومبناها في القرآن الكريم، وفي السنّة الشريفة. والمصدر الثاني هو الحماية والدعم اللذان يوفرهما الغرب لأغلب الأنظمة السياسية العربية. وينفي هاذان المصدران الشرعية عن هذا النظام السياسي العربي، فالنظام لا يستمد شرعيته من العقيدة الإسلامية، ولا يستمدها من الشعوب العربية. من هنا وحرصاً على كسب النظام السياسي العربي لمعركته الدائمة مع الشرعية الجماهيرية ومع الشرعية الدينية، يقف باستمرار إلى حماته من الغربيين مستعملاً عدة أساليب في مواجهة المواطنين العرب أهمها: التضليل والقمع. وكلما ابتزّه الغرب وبخاصة الولايات المتحدة بسبب ضعفه وولائه لها، كلما اضطر إلى الكشف عن وجهه المزيف ليبدو الوجه الحقيقي الذي أعلنه في السكوت عن الحصار الإسرائيلي للفلسطينيين بعد وصول حركة حماس إلى السلطة، إن لم نقل المشاركة في هذا الحصار. وبعد ذلك حينما أزاح بقايا الخجل المقنع عن وجهه بوقوفه إلى جانب العدوان الإسرائيلي على لبنان حينما منح غطاءً أضاف قوة هائلة للغزو الاسرائيلي على لبنان. إن قراءة النظام السياسي العربي للخطر الذي يهدده في المستقبل هو نفس الخطر الذي يواجهه الاحتلال والعدوان الاسرائيلي، وهذا الخطر هو المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي يمثلها الآن كل من حركة حماس( وسائر فصائل المقاومة) وحزب الله، ولذا لا نستغرب تصرفات النظام السياسي العربي في تصديه للمقاومة بوسائل تزداد وضوحاً وربما تزداد مفصلية مع تصاعد المقاومة. وهذا ما يدعونا إلى القول أن النظام السياسي العربي هو على رأس عناصر القوة الإسرائيلية التي تعرف أن هذا النظام السياسي لن يسمح للمواطنين حتى بالتعبير عن مشاعرهم بالمظاهرات التي تقمع وكأن المظاهرة حرب يشنها المواطنون ضدّ هذا النظام أو ذاك.
    وإذا كانت هذه هي عناصر القوة الإسرائيلية التي يعرفها، ويعرف أكثر منها، حزب الله، فكيف قبل التحدي في مواجهة إسرائيل التي يرتجف منها الحكام العرب، فيسترضونها في تصريحات ساستهم، وفي وسائل إعلامهم، وفي فتح عواصمهم وفي الكثير من وسائل الاسترضاء التي تزيد مواقفهم هزالة أمام شعوبهم. إن عناصر القوة التي يمتلكها حزب الله تبدو دون ذلك بكثير، ولكنها بحسابات حزب الله توازي القوة الإسرائيلية حينما يتعلق الأمر بصدّ العدوان. وأهم عناصر القوة عند حزب الله، هو انبعاث العقيدة الإسلامية لدى منتسبي ومناصري الحزب. ويمثل حزب الله نموذجاً في التجديد الإسلامي وتجديد الثقافة (بمعناها في العلوم الإنسانية) لتكون ثقافة إسلامية، ولعل متابعي فضائية المنار يلاحظون الفرق بينها وبين سائر الفضائيات العربية. ومن المؤكد أن بعث “فريضة الجهاد” هي المسألة المركزية ليس في تعبئة مقاتلي حزب الله وجماهيره فقط، وإنما أيضاً، في التجديد الثقافي والديني الذي لا يمكن أن يتم بهذه السرعة، وأعني منذ تأسيس حزب الله قبل أقل من ربع قرن، لولا فريضة الجهاد (المقاومة) التي سرّعت عملية التجديد. وحينما نتحدث عن التجديد فأعني كل ما يجعل العربي، مسلماً أو غير مسلم يحترم حزب الله، ويرى فيه نموذجاً لأفكاره أو جُلِّها. وهذا التجديد وجد الحلول لكل القضايا المطروحة أمام الفكر العربي: الحداثة والأصالة، الدين والدنيا، العدل والشورى، الأمة والوطن، وغيرها من القضايا، فاستوعب الإيمان قضايا العلم والتكنولوجيا والإدارة والتربية والمرأة والحرية والتنمية والاقتصاد وسائر المفردات كما هو مفترض فيه وليس خارجاً عنه.
    أما العنصر الثاني من عناصر قوة حزب الله فهو المساعدة التي تقدمها الجمهورية الإسلامية في إيران، وأعتقد أن العلاقة وثيقة من حيث التفاهم في المجالات الاستراتيجية مع قدر كبير من الحرية في المجالات التكتيكية. ولا ينكر كل من الطرفين هذه العلاقة، التي تمر عبر سوريا، إن لم يكن في الفكر، ففي وحدة الموقف من العدوان الاسرائيلي.
    والعنصر الثالث من عناصر قوة حزب الله هو هذه القيادة التي لم يشهد العرب مثلها إلا في القليل النادر منذ قرون طويلة، قيادة ممثلة في السيد حسن نصر الله وإخوانه الذين هم على درجة عالية من الإيمان والوعي والقدرة، وهي أهم عناصر القوة المطلوبة لدى أية حركة ثورية حقيقية. وأدى وجود مثل هذه القيادة إلى دعم جماهيري عربي من المحيط إلى الخليج، وبخاصة أن هذه الجماهير المقموعة من أنظمة حكمها تتحرق شوقاً إلى قيادة مثل قيادة حزب الله تقودها إلى التصدي للعدوان الأميركي والاسرائيلي في العراق وفلسطين وسائر أقطار العرب والمسلمين.
    ويلتبس علينا مفهوم النصر والهزيمة بعد صدور القرار 1701 لأنه ليس هناك معايير محددة وثابتة للقول أن طرفاً قد هزم أو انتصر، ولكن المعايير التي يمكن استقراؤها من الأحداث والمواقف هي التي تساعدنا على تقييم النتيجة.
    صرّحت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، وفي بيروت في الأيام الأولى من العدوان، ما معناه أن هدف هذه الحرب هو تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد. وعلى الرغم من أننا لا نعرف تماماً تفاصيل هذا المشروع، لكننا نعرف أنه يهدف إلى تجزئة المجزأ بخلق دويلات في لبنان وسوريا والعراق ثم في السودان ومصر والسعودية وغيرها، والأسباب الكامنة وراء هذا المشروع هي نفسها أسباب المشاريع الاستعمارية، أي وضع مقدرات المنطقة تحت السيطرة الغربية وبحراسة إسرائيل التي ستتحول إلى دولة كبرى من بين هذه الدول الفسيفسائية، هذا إضافة إلى منحها الشرعية التي ما زالت موضع شك لأن الشعوب العربية والإسلامية لا تسير في مسارات حكامها في هذا المجال. ولا يمكن تحقيق هذا المشروع وهناك قوى مقاومة رافضة للمشاريع الأميركية والاسرائيلية، وهذه القوى تحديداً: حزب الله، وحماس ( وقوى مقاومة فلسطينية أخرى)، ثم إيران وسوريا. وقد بدأ مشروع الحرب ضد هذه القوى بمحاصرة حكومة حماس لإسقاطها وبالاغتيالات والحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين بتعاون مع الأنظمة العربية يتراوح في أحسن حالاته بين غضّ البصر، وبين الحصار المباشر وافتعال الأعذار والمبررات للضغط على حكومة حماس لإفشالها. وهنا يجب أن نميز أن المسألة بالنسبة لمخططي السياسة الأميركية والأوروبية والإسرائيلية وتابعيهم من الحكام العرب، أكبر من مجرد إسقاط حكومة حماس، وإلاّ لهان الأمر، فستأتي حكومة أخرى وقد اعتاد الفلسطينيون على رؤية توالي الحكومات، ولم يثر الأمر قدراً كبيراً من الأهمية لدى الفلسطينيين كما تثيره هذه القضية الآن، إذ أن المسألة هي إسقاط خيار المقاومة في العالمين العربي والإسلامي الذي يسمح بتصفية القضية الفلسطينية حسبما تقرره إسرائيل وقد قررت منذ زمن بعيد بأنها لا تريد دولة فلسطينية مستقلة وإنما تريد “مقاولاً لحفظ الأمن الإسرائيلي” على الرغم من بناء الحاجز الذي كان من أجل المزيد من الاستيلاء على مساحات جديدة من الأرض. وقد شجعت الولايات المتحدة إسرائيل على الخطوة التالية وهي العدوان على لبنان من أجل تصفية خيار المقاومة الذي يمثله الحزب بصورة تقف حائلاً دون تنفيذ السياسات الاسرائيلية والغربية. وبعدها يمكن التفرغ للشأن السوري والإيراني فتزول كل أشكال الرفض والمقاومة لهذه السياسات والمشاريع. هذا، وتنظر السياسات الغربية والإسرائيلية على أن المقاومة ذات التوجه أو الأيديولوجيا الإسلامية، تشكل خطراً حقيقياً عليها وعلى مستقبل صراعها مع العرب والمسلمين، فالمقاومة الإسلامية قادرة على تعبئة القوى الكامنة الساكنة لدى الأمتين العربية والإسلامية على حد سواء، وكل ما تحتاجه الأمة هو قيادات مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وأية تنظيمات إسلامية للمقاومة قد تظهر في المستقبل، وهذا ما يخيف الأنظمة العربية أيضاً.
    وبناء على ذلك فإن إسرائيل فشلت في تحقيق النصر على حزب الله، ففشلها العسكري الذي تتحدث عنه وسائل إعلامها ليس هو الأهم وإن كان على درجة عالية من الأهمية، وإنما فشل المشروع كله، الذي أفشلته قوة وصمود وبراعة حزب الله في التعامل مع العدوان الاسرائيلي الذي استعمل أسلوبه المعروف في ارتكاب المذابح وقتل المدنيين وتخريب البنية التحتية وكل أشكال التدمير التي لم تحقق له ما أراد في استسلام حزب الله تحت ضغوط العرب، واللبنانيين الذين تحملوا وصبروا ووقفوا بشموخ مع حزب الله في معركته لصدّ العدوان، حتى أن عرب أميركا بما فيهم بعض الرموز السياسية اللبنانية اضطروا مؤقتاً إلى تمثيل أدوار غير أدوارهم.
    هكذا يمكن القول أن حزب الله قد انتصر حتى الآن بإفشاله كل المخططات التي أرادها الساسة الأعداء للعرب والمسلمين. ولكن الحرب لم تنته بعد، فعلى المقاومة الإسلامية أن تحارب في جبهات داخلية قد تكون أشد خطورة من العدوان الإسرائيلي على الرغم من عناصر القوة الكبيرة لدى إسرائيل!.

  4. وكتب ديفيد أغناتيوس تحت عنوان
    درس لبنان: السياسة لا الحرب هي الطريق

    حرب لبنان مضرة بإسرائيل والولايات المتحدة، والاهم من ذلك بلبنان ذاته. ولكن ربما تكون قد علمت الجميع درسا سيصبح في غاية الأهمية لمستقبل الشرق الأوسط: حل المشاكل الكبرى في المنطقة ليس عسكريا بل سياسيا.

    رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، يتعرض للطمات في الداخل لفشله في تحقيق نصر سريع على حزب الله. ولكنه يستحق الفضل لاعترافه بالحاجة الى تسوية سياسية تعزز سلطات الدولة اللبنانية. فقد قاوم الضغوط من جنرالاته لشن هجوم بري شامل شمال نهر الليطاني، وفهم ان السعي لتحقيق حل عسكري حاسم، سيدفع اسرائيل نحو المستنقع اللبناني.

    والبطل غير المتوقع هو رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السينورة. فقد كان مدافعا متحمسا عن الشعب اللبناني وفكرة الدولة اللبنانية ـ وهو ليس بالانجاز السهل في دولة لا تزال تتعافى من الحرب الاهلية. فقد تمكن من الحفاظ على حكومته، بما ذلك وزيرا حزب الله. وكان مهندس العناصر الرئيسية لاتفاقية وقف اطلاق النار: فقد حث على التوصل الى وقف سريع لاطلاق النار، بدلا من الاتفاقين المضلين للولايات المتحدة وفرنسا، ونجح في الدعوة لتوسيع قوات «اليونيفيل» لمصاحبة الجيش اللبناني في الجنوب، بدلا من تشكيل قوة دولية جديدة تماما.

    وما تمكن السينورة من تحقيقه، هو اتفاقية لبنانية للغاية، فهي مليئة بالغموض اللازم لموافقة جميع الاطراف. وقد نجح في عرقلة الجهود الاميركية والفرنسية لتوسيع «اليونيفيل» طبقا للفصل السابع للتفويض العسكري التابع للامم المتحدة لخوف حزب الله من انها ستؤدي الى ما يشبه قوة الاحتلال العراقية في جنوب لبنان. وقد اقنع الولايات المتحدة، بالرغم من الاعتراضات الاسرائيلية، لجعل الامم المتحدة تدرس الخلاف بخصوص مزارع شبعا، وهي منطقة تحتلها اسرائيل بالقرب من مرتفعات الجولان، وهو الامر الذي كان من بين حجج حزب الله لاستمرار مقاومته المسلحة ضد اسرائيل.

    والورقة الرابحة في الاتفاق هو حزب الله. ومع استمرار الحرب، اعتبر معظم المعنيين زعيم الجماعة حسن نصر الله، هو الفائز الكبير. ومما يثير المفارقة، ان ذلك سيصبح صحيحا اذا ما التزم بالاتفاق الذي توصل اليه السينورة، وسحب مقاتليه من جنوب لبنان. واذا ما حاول استمرار الحرب او العمل كوكيل لايران، فسيفقد الهالة الجديدة المحيط به. ويعتقد المسؤولون الاميركيون ان حسن نصر الله، ربما قاوم الضغوط الايرانية للاستمرار في القتال عندما وافق على مقترحات السينورة. وفي الوقت نفسه فإن السوريين، الراعي الآخر لنصر الله، لم يلعبوا أي دور على الاطلاق في النتائج الدبلوماسية مما يعمق عزلتهم.

    لقد اجريت مقابلة مع نصر الله مرتين خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كان الموضوع الاساسي الذي ناقشناه هو كيفية استيعاب قوة حزب الله العسكرية بنجاح داخل نسيج الدولة اللبنانية. وكان في كل مرة يؤكدا ان «حزب الله» لن يهدد لبنان، لكن بالطبع هذا ما فعله نصر الله على وجه التحديد عندما احتجزت قواته جنديين اسرائيليين في 12 يوليو (تموز) الماضي، الشيء الذي تسبب في الهجمات الاسرائيلية.

    واذا لم يتصرف نصر الله على نحو اكثر مسؤولية بالتزامه الإطار الجديد للامم المتحدة، فإن نصر الله سيعرض نفسه ولبنان الى خطر ماحق.

    والآن، كيف تعاملت ادارة بوش مع الحرب؟ مساعي كوندوليزا رايس الدبلوماسية الاولى كانت بطيئة، ودفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا فيما يتعلق اجندتها للديمقراطية في الشرق الاوسط. إلا ان كوندوليزا رايس وزملاءها حسنوا اداءهم عندما بدأت الأزمة تتعمق، وكان اداؤهم جيدا بالفعل في التوصل الى اتفاق نهائي. اعتقد ان الادارة الاميركية تعلمت درسا كبيرا يتلخص في ان الولايات المتحدة، يجب ان تواصل دورها الدبلوماسي القوي الذي اتبعته خلال الشهر السابق. اصبح الشرق الأوسط مكانا تصبح المشاكل فيه خطرة اذا تركت من دون علاج.

    اثبت التاريخ ان فترة ما بعد الحرب يمكن ان تفتح ابوابا غير متوقعة للسلام، وأدرك مسؤولو الادارة الاميركية ان امامهم فرصة. كان هناك حديث حول مبادرة واسعة بقيادة الولايات المتحدة للدفع مجددا باتجاه نزع فتيل النزاع الفلسطيني، وإعادة بناء اقتصاد لبنان والدول العربية الأخرى المتعثرة واستكشاف بنى اقليمية جديدة للأمن في العراق، وأماكن اخرى وتشجيع عملية مصالحة عربية ـ اسرائيلية واسعة.

    ثمة خوف داخل إدارة بوش، من ان هذا النوع من صنع السلام بواسطة الولايات المتحدة، سيثير ذعر الاسرائيليين في الفترة المؤلمة لما بعد النزاع في لبنان. المخرج من مأزق الشرق الاوسط يتمثل في الاتفاقيات السياسية، وليس الخطوات التي تتخذ من جانب واحد او الحملات العسكرية المتهورة.

    ايران والأطراف التي تعمل لها بالوكالة، آثرت اتباع نهج دموي نحو المستقبل. على الولايات المتحدة وحلفائها العمل بصورة ملحة لإنشاء بديل.

  5. تداعيات حرب لبنان على الشرق الأوسط

    ستيفن ايرلنغر

    اكد احد وزيري حزب الله في الحكومة اللبنانية حسن فضل الله قبل ايام قليلة في بيروت ان حزبه قد احرز «نصرا إلهيا» في المواجهة التي حصلت مع اسرائيل.

    واضاف ان النازحين من الجنوب سيعودون الى ديارهم ورؤوسهم مرفوعة بعد النصر المؤزر الذي حققته المقاومة.

    كان هذا الوزير يقف وسط الخرائب الكثيرة التي توجد الآن في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت. هناك العديد من الاسئلة الحيوية لتي لا بد من الاجابة عليها في لبنان الآن.

    هل سينظر اللبنانيون العاديون الى حزب الله على انه الطرف الذي انتصر في الحرب على اسرائيل؟ ام سيقفون ليوجهوا اللوم لحزب الله على مهاجمة اسرائيل دون التشاور مع الحكومة اللبنانية وبالتالي جلب الخراب والدمار للمناطق السكنية والطرق والجسور وخسارة الكثير من الأرواح البشرية؟

    الاجابة عن هذه الاسئلة توجد لدى الحكومة اللبنانية الضعيفة ولدى وقف اطلاق النار. علينا ان نتوقف للحظة هناك ونقول ان حزب الله خاض حربا ضروسا مع اسرائيل وينظر اليه كبطل ليس في لبنان فقط بل عبر العالم الاسلامي كله.

    رئيس الوزراء اللبناني الذي يسعى العالم لتقويته يبدو عاجزا أو غير راغب في إثارة قضية نزع سلاح حزب الله في هذا الوقت، اجتماع مجلس الوزراء الذي كان مقررا لمناقشة خطط نشر الجيش اللبناني الضعيف في الجنوب لأول مرة منذ عام 2000 تم تأجيله الى أجل غير مسمى عندما أوضح وزراء حزب الله ان الجيش اللبناني لن يذهب الى أي مكان الآن.

    وقال حسن نصر الله الامين العام لحزب الله في خطاب متلفز له ان مقاتلي الحزب سيقبلون وقف اطلاق النار، ولكن أكد في نفس الوقت ان الحزب سيستمر في القتال طالما بقيت اسرائيل على التراب اللبناني، وهذا يعني التهديد بخرق وقف اطلاق النار. قد لا يعني ذلك ان نصر الله سيستأنف القتال مبكرا ولكن يعني ان الحزب لن يسمح لأحد بحرمانه من المملكة التي اقامها في جنوب لبنان بمساعدة ايران وسوريا وهذه تعد احدى اهم القضايا التي ستتوضح لاحقا.

    فحسن نصر الله لا يريد تفكيك ميليشياته أو ترك الجنوب وهو يحاول المحافظة على ما يستطيع المحافظة عليه. فكم بامكانه ان يحافظ عليه يا ترى؟

    القرار الصادر عن مجلس الآمن رقم 1701 الذي ينهي الحرب بدأ وكأنه يسعى لتعزيز مصالح لبنان وتقويض مصالح حزب الله خاصة في المنطقة الواقعة ما بين نهر الليطاني والحدود الاسرائيلية.

    مجلس الأمن وبموافقة الجامعة العربية وجه اللوم لحزب الله على بدء النزاع واصدر مرة أخرى على ان تقوم الحكومة اللبنانية وبمساعدة الاسرة الدولية بفرض سيطرتها على منطقة الحدود وتفكيك جميع الميليشيات.

    ولكن سبق لمجلس الأمن ان اتخذ قرارا اكثر وزنا من هذا وهو القرار رقم 1559 في سبتمبر 2004 حيث دعا الى حل حزب الله والميليشيات الأخرى ومد نفوذ الدولة على كامل البلاد.

    هذا القرار ليس آلية للتنفيذ وتم بالتالي تجاهله بصورة كبيرة.

    القرار الأخير الذي اتخذ بعد 34 يوما من القتال يعيد ويكرر أهداف القرار 1559 ولكنه يقدم المزيد من الاسنان بحيث يسعى لجعل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني منطقة منزوعة السلاح ويحرم على حزب الله التواجد بها وهو أمر يتوجب على الجيش اللبناني تنفيذه بالتعاون مع قوة من الأمم المتحدة يمكن أن يصل تعداد الجنود فيها الى حوالي 15 ألف جندي.

    هذه القوة سيستمر تسميتها باسم يونيفيل ولكنها ستكون بأعداد أكبر ومهام أوسع وتفويض عسكري أوضح، ويفترض بها مساعدة الحكومة اللبنانية على مراقبة حدودها لضمان عدم قيام إيران وسوريا بإعادة تزويد حزب الله بالصواريخ والأسلحة والذخيرة.

    ولكن هل سيتم فعل ذلك؟ وما هي نوعية الجنود الذين سيتوافرون؟ وهل سيصلون؟ وهل سيكونون راغبين في مواجهة حزب الله الذي اكتسب شهرة كحزب به مقاتلون جيدو التدريب والتسليح او سيعملون ببساطة كما تتوقع اسرائيل على السماح لحزب الله بالبقاء على الحدود طالما بقيت الحدود هادئة.

    كما هي العادة دائما فإن الاختبار الحقيقي ليس القرار نفسه بل تنفيذه وهناك الكثير من الأسباب التي تدعونا للتشكيك في النتائج التي سيتم التوصل اليها.

    وإذا ما كان هذا التشكك صحيحا فكم من الوقت ستأخذ اسرائيل حتى تتحرك من جديد وهي ترى حزب الله وهو يعيد تجميع قواته في الجنوب من جديد في خرق واضح لقرار مجلس الأمن؟

    إن اسرائيل تواجه الكثير من المعضلات حاليا ويأتي على رأسها حجم الدمار الشامل والتقتيل الكثير الذي اقترفه جيشها بحق الشعب اللبناني والمناطق السكنية والمدرسية والبنية التحتية خلال شهر القتال في لبنان، فهذا التدمير أغضب قطاعات كبيرة من الشعب اللبناني ودفع الكثيرين نحو التطرف في مواقفهم تجاه اسرائيل والغرب عموما الذي تردد كثيرا قبل ان يقرر أخيرا العمل على وقف مشروط لإطلاق النار أسماه وقف الأعمال العدائية.

    فوق كل ذلك تجيئ تلك النتائج الهزيلة التي حققتها اسرائيل في حربها فحزب الله لا يزال واقفا على قدميه ولم يتحطم ولم ينكسر كما خططت له اسرائيل، وبقي قادرا على اطلاق الصواريخ عبر الحدود باتجاه العمق الاسرائيلي حتى اليوم الأخير من الحرب حيث أطلق في ذلك اليوم وحده ما يزيد على 200 صاروخ.

    كذلك بقي حسن نصر الله وقيادات حزب الله على قيد الحياة لم يمسسهم سوء، حزب الله يتكتم حول خسائره وهو ينكر بشدة الادعاءات الاسرائيلية القائلة بان الجيش الاسرائيلي قد تمكن من قتل حوالي 500 عنصر من ميليشيات الحزب وتمكن كما تقول اسرائيل من تدمير 80% من ضواريخ الحزب متوسطة وبعيدة المدى.

    باختصار تقول اسرائيل انها الحقت اضراراً بالغة بحزب الله اكثر بكثير مما يقر ذلك الحزب.

    من غير المحتمل ان يلجأ حزب الله لتجربة اسرائيل مرة أخرى وجرها إلى حرب أخرى قبل مرور بعض الوقت على اعتبار ان لا الحكومة اللبنانية ولا غالبية الشعب اللبناني من غير الشيعة لا تريد ان يعيد اعمار البلاد لتدمر من جديد.

    إذا كان الوضع كذلك، فان القضية تصبح برمتها مجرد استراحة المقاتل وهي استراحة قد تستمر لعدة سنوات.

    بالنسبة لاسرائيل لا تبدو الصورة مريحة إلى تلك الدرجة التي اعتادت عليها اسرائيل منذ اقامتها، فالجيش الاسرائيلي الذي كان يلقب بانه لا يقهر ظهر ان هذا اللقب كان فارغاً وتلقى ضربة شبه قاضية على يد حزب الله وهو مبدأ استفادت منه اسرائيل كثيراً في استراتيجية الدفاع التي تبنتها.

    فخلال الحرب الاخيرة لم تحقق اسرائيل تقريباً أيا من الاهداف التي سعت إلى تحقيقها. ويأتي على رأس تلك الاهداف المعلنة اعادة الجنديين اللذين تمكن حزب الله من اسرهما وبالتالي فانه سيتوجب على اسرائيل اجراء مفاوضات مع حزب الله الذي تضفه كمنظمة ارهابية من اجل عقد صفقة حول السجناء واسرى الحرب وجثامين المقاتلين.

    الاسرائيليون معنيون جداً بالطريقة التي سينظر بها الرئيس بشار الأسد للحرب التي دارت في جنوب لبنان.

    فالسوريون يملكون جيشاً جيد التدريب وجيد العتاد وهو اكبر بكثير من ميلشيا حزب الله كما ان لدى السوريون سلاحاً جوياً، والأسد الزم نفسه باستعادة هضبة الجولان التي احتلتها اسرائيل في عام 1967.

    ويقال ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت أمر بشن الهجوم الأرضي الرئيسي على جنوب لبنان قبل وقف اطلاق النار بوقت قصير من اجل اظهار ان اسرائيل لا تزال قادرة من الناحية العسكرية على تحقيق ما تريد، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن. الجيش الإسرائيلي ستكون له مناقشاته الخاصة به حول التكتيكات التي استخدمت والتدريبات غير الكافية وحول الدور الذي لعبته القوة الجوية والقذائف المتطورة المضادة للدبابات التي استخدمت ضد سلاح المدرعات الإسرائيلي ومدى جاهزية القوات الأرضية لهذه الحرب.

    في نفس الوقت القلق الأكبر التالي بالنسبة لإسرائيل هو إيران التي استثمرت ملايين الدولارات في حزب الله وهي تسعى في نفس الوقت لامتلاك القنبلة النووية.

    كيف ينظر الإيرانيون لهذه الحرب الصغيرة هو من بين الأسئلة الكثيرة التي ليس لها إجابات بالنسبة لإسرائيل فإن الحرب الأخيرة تثير الكثير من التساؤلات الخطيرة حول الانسحاب الأحادي الجانب للجيش الإسرائيلي والمستوطنين من بعض أجزاء الضفة الغربية.

    الكثير من الإسرائيليين يقولون الآن إن الانسحاب أحادي الجانب الذي تم من لبنان في عام 2000 أدى إلى نشوب الحرب الأخيرة والانسحاب الأخير الذي تم من قطاع غزة ادى إلى تحقيق حماس لنصر انتخابي وعدم استقرار واطلاق لا يتوقف للصواريخ من قطاع غزة على المستوطنات والمدن الإسرائيلية.

    الصقور الذين دعموا شارون في خطته لفك الارتباط مع غزة بدأوا يبعدون أنفسهم أكثر فأكثر عن فكرة أولمرت للانسحاب من بعض أجزاء الضفة الغربية بسبب هذه الحرب.

    لقد تم انتخاب أولمرت على أساس وعوده لإجراء انسحاب آخر أحادي الجانب وتظهر استطلاعات الرأي ان الرأي العام الإسرائيلي منقسم على نفسه بدرجة تكفي لقتل هذه الفكرة في مهدها.

    الحرب اللبنانية تثير أسئلة أكثر خطورة كما يقول شاي فيلدمان مدير مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة براندايس حل الدولتين مع الفلسطينيين وبالتالي مصير هذا الحل.

    فمن وجهة نظر إسرائيل انها احترمت الحدود الدولية مع لبنان كما رسمتها الأمم المتحدة في الوقت الذي خرقها حزب الله، ويتساءل فيلدمان «إذا كانت الحدود الدولية لا تعني شيئا لماذا يتوجب على الرأي العام في اسرائيل دعم انسحاب آخر من الضفة الغربية يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية؟».

  6. تخويف “إسرائيلي” من “أسلمة” الصراع …….. فهمي هويدي

    ما فوجئت به “اسرائيل” ليس فقط الفشل الذي منيت به حملتها العسكرية على لبنان، ولكن ايضا تلك القدرة الفائقة التي أبداها حزب الله في تحدي آلتها العسكرية على نحو لم يخطر لقادتها على بال، الأمر الذي اعتبره بعضهم طورا جديدا في المواجهة تعد “أسلمة الصراع” من معالمه البارزة، وهو ما استقبلوه بحسبانه تهديدا لوجود “اسرائيل” ذاتها.

    (1)

    وزيرة الخارجية تسيفي ليفني عبرت عن هذا القلق بصراحة في لقائها مع السفراء الاجانب المعتمدين في تل ابيب، الذي نشرت الصحف العبرية تفاصيله، ومما ذكرته تلك الصحف أن ليفني اعتبرت ان وجود “اسرائيل” كدولة سيصبح في خطر كبير اذا ما تواصلت مظاهر “أسلمة” الصراع. وشددت على أن مكامن الخطر في حدوث تلك الاسلمة تتمثل في انها تمد الفلسطينيين واللبنانيين بقدر من الايمان واليقين، يتلاشى معه تماما تأثير قوة الردع “الاسرائيلية”، القائمة على ميل ميزان القوى العسكرية لصالح الجيش “الاسرائيلي”.

    الرسالة التي أرادت وزيرة الخارجية “الاسرائيلية” توصيلها الى السفراء الاجانب تتلخص فيما يلي: أنه يجب على دول العالم قاطبة أن تسهم في تطويق الحركات الاسلامية، التي نجحت في اقناع المجتمعات العربية بتبني المنطلق الاسلامي فيما يتعلق بالصراع مع “اسرائيل”. ليس ذلك فحسب، وانما نجحت تلك الحركات ايضا في دفع حتى التيارات القومية العربية إلى تبني منظورها الاسلامي في التعامل مع القضية.

    هذه المعلومات أوردها موقع “اسلام أون لاين”، يوم 10/،8 في سياق تقرير مهم لزميلنا الصحافي صالح النعامي المقيم في غزة، تحدث فيه عن تعليقات بعض الباحثين “الاسرائيليين” الذين ارتأوا أن المقاومة الاسلامية في فلسطين ولبنان تستنزف الدولة العبرية، كما انها وحدت المسلمين سنة وشيعة في مواجهة “اسرائيل”، إلا انهم ارتأوا أن ما يسمى بالاسلام “السني” هو الذي يشكل الخطر الوجودي الأكبر على الدولة العبرية، هذا الرأي عبر عنه البروفيسور عوزي عراد، الذي شغل في السابق منصب رئيس قسم الابحاث في جهاز “الموساد”، ويرأس حاليا مركز “هرتسليا متعدد الاتجاهات” أهم مركز ابحاث في الدولة العبرية. إذ في رأيه أن ما يسميه بالاسلام السني هو الأكثر خطورة، لأن الدول العربية “المهمة” التي تحيط ب”اسرائيل” هي دول سنية، ومن ثم فإن وصول الاسلاميين إلى السلطة في تلك الدول يعني زيادة التهديد للدولة العبرية بشكل لا يمكن تصوره أو توقع عواقبه.

    (2)

    في المناقشات التي جرت حول الموضوع وجه تيدي كوليك رئيس بلدية القدس السابق من على فراش مرضه نداء عبر الاذاعة العبرية، حث فيه الحكومة “الاسرائيلية” على بذل كل جهد مستطاع، والعمل بكل اصرار من أجل وقف عملية أسلمة الصراع، حتى اذا كان الثمن المطلوب أن تقدم “اسرائيل” تنازلات كبيرة للاطراف العربية “المعتدلة” في المنطقة. وبصوت مخنوق حذر كوليك الحكومة والمستمعين من أن “عمر بن الخطاب آخر يمكن أن يترجل في هذا الزمان معلنا عودة القدس للمسلمين”.

    في مواجهة هذا الرأي سخر كارمن غيلوث الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) من دعوات وقف أسلمة الصراع، مشددا على أن هذه العملية اصبحت أمرا لا يمكن تجنبه، على اعتبار أن كل رموز الصراع الموثوق بهم في العالم العربي اصبحوا رموزا اسلامية. وفي المقابل فانه اتفق مع الرأي القائل بأن ذلك يتطلب من الحكومة “الاسرائيلية” تقديم تنازلات لاطراف “الاعتدال” في العالم العربي. تحديدا في فلسطين ولبنان، من أجل قطع الطريق على الاسلاميين، وتقليص دورهم في ساحة الصراع.

    في هذا الصدد ضرب الصحفي جاكي كوخي مثالا لدولة عربية هي سوريا، قائلاً إنه اذا نجحت “اسرائيل” في أن تعقد معها صفقة سياسية، فإن ذلك سيجعلها في وضع افضل ÷ لماذا ؟ لأن دمشق في رأيه مفتاح الهدوء على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية. من ثم فإن التوصل إلى

    تسوية معها من شأنه أن يرتب ضغطا

    قويا على حركة حماس وحزب الله، ويقلص من هامش المناورة امامهما. وانضم كوخي إلى الفريق القائل بضرورة عدم التردد في دفع كل الثمن المطلوب لسوريا، لاقناعها بعقد الصفقة. لكنه حذر القادة “الاسرائيليين” من الاستسلام لخيار القوة، وقال ان الجيش “الاسرائيلي” دخل الحرب ضد لبنان معتمداً على قوة نيران هائلة، لكنه عاد منها مثل الكلب الذي يطوي ذيله بين رجليه.

    ما أثار الانتباه في هذا المجال أن بين الباحثين من اعتبر أن عجز الدولة العبرية في مواجهة الاسلاميين في فلسطين ولبنان سببه تهاوي منظومة القيم في الدولة العبرية. وقد تبنى هذا الرأي المفكر ارييه شفيط، الذي قال إن حرص المجتمع “الاسرائيلي” على ملذات الحياة افسده. وكانت نتيجة ذلك الفساد الذي اقترن بتسلط اصحاب المصالح الطبقية والشخصية، أن تمكن بضع مئات من المسلمين المؤمنين من تحدي “اسرائيل” ذات الجيش القوي، “وقرع بابها متحدين”. واضاف “لقد جاءنا جيش صغير من المؤمنين، مطيع ذو تصميم ليقول إن ديمقراطيتنا فاسدة، وإن حرصنا الغربي على اللذة فاسد، وإنه لا قدرة لمجتمع حر محب للحياة في شرق أوسط متدين”.

    (3)

    المفارقة أن النخبة “الاسرائيلية” تعبر عن قلقها وتخوفها من توظيف الوازع الايماني لدى المسلمين في مقاومة الاحتلال، في حين تحفل “اسرائيل” بدرجة غير عادية من التعبئة الدينية التي تسوغ احتلال الارض، وطرد الفلسطينيين ونهب أموالهم بل وابادتهم. وهي التعبئة التي يغذيها الزعماء الدينيون من خلال فتاواهم، ويرحب بها السياسيون ويستفيد منها العلمانيون والملحدون طالما انها تخدم هدف التمكين للدولة العبرية. وهو المعنى الذي عبر عنه ناشط حقوق الانسان “الإسرائيلي” الشهير، اسرائيل شاحاك في دراسة له عن الترانسفير (الطرد) في العقيدة الصهيونية، حين استشهد بنكتة يهودية تقول إن نخبة الملحدين في “اسرائيل”، رغم انهم لا يؤمنون بوجود الله، إلا أنهم يعتقدون أنه منح ارض “اسرائيل” لليهود!

    مما يذكر في هذا الصدد أن الحاخام ايلي عمار، الحاخام الاكبر الشرقي لمدينة صفد الواقعة شمال فلسطين المحتلة (مرجعية مهمة للغاية ومرشح لتولي منصب الحاخام الاكبر لدولة “اسرائيل”) صاحبنا هذا التقى رئيس الاركان الجنرال دان حالوتس اثناء زيارته للمنطقة، بعد ثلاثة ايام من بدء الحرب على لبنان، وقدم له فتوى دينية وقع عليها إلى جانبه عدد من كبار الحاخامات في الدولة العبرية، نصت على أنه يجوز للجيش “الاسرائيلي” قصف التجمعات المدنية اللبنانية، وقتل المدنيين غير المحاربين اذا كان ذلك مما تتطلبه العمليات الحربية.

    هذه الفتوى ليست فريدة في بابها، ولكنها نقطة في بحر. ففي العام الماضي اصدر الحاخام مردخاي الياهو، الحاخام الاكبر السابق واهم مرجعية دينية في “اسرائيل”، فتوى تدعو لإبادة الفلسطينيين بشكل كامل، حتى اولئك الذين لا يشاركون في القتال. ولقت الانتباه إلى انها ليست فتوى في حقيقة الامر، بل “فريضة من الرب يتوجب على اليهود تنفيذها”.

    هذا المعنى أورده اسرائيل شاحاك في دراسته، حيث قال “إن الفرض المقدس فوق كل الفروض، القاضي بإبادة أي شعب غير يهودي يعيش على الارض المقدسة، يسيطر بدرجة فائقة على التاريخ التوراتي”.. كما أنه في الكتابات المقدسة، تلقى إبادة غير اليهود على أرض “اسرائيل” الحظوة ذاتها، وهو الحاصل ايضا في جميع التفسيرات المهمة للتوراة.

    بعد اسبوع من فتوى الحاخام مردخاي الياهو التي حظيت باهتمام اعلامي واسع ووزعت داخل كل الكنس في “اسرائيل”، اصدر أحد كبار الحاخامات فتوى اخرى تتيح لتلاميذه في احدى المستوطنات اليهودية شمال الضفة الغربية سرقة محاصيل المزارعين الفلسطينيين، باعتبار انهم من الاغيار الذين يجوز لليهود استباحة ممتلكاتهم. وبالفعل قام التلاميذ بنهب تلك المحاصيل تباعاً. بل أن الحاخام الاكبر لمستوطنة كريات اربع - دوف ليئور- اصدر فتوى اباحت للمستوطنين تسميم المواشي والدواب وآبار المياه التي يملكها المزارعون الفلسطينيون. ولم يقصر التلاميذ في العمل بفتوى حاخامهم.

    (4)

    في حين تذهب “اسرائيل” الى هذا المدى في توظيف المشاعر الدينية لتسويغ مخططاتها الشريرة وتعبئة جماهيرها ضد العرب والمسلمين، كما انها تبدي جزعا من استدعاء المسلمين للطاقة الايمانية وتوظيفها لصالح مقاومة الاحتلال وتحدي صلفه وغروره، في هذه الاجواء لا نعدم اصواتا مريبة تطالب العرب باخراج الدين من الحلبة، بدعوى الحرص على “عدم تسييسه”. ومن الحجج التي أوردها بعض اصحاب هذا الرأي “ان الانتصار الاكبر “لإسرائيل” هو اشاعة وتأكيد الجو الديني لهذه الحرب” (الاهرام 15/8). وهي حجة فاسدة، تهدمها من الاساس تصريحات وزيرة الخارجية “الاسرائيلية” وتعليقات الباحثين “الاسرائيليين” التي سبقت الاشارة اليها.

    إننا اذا أردنا ان نحسن الظن بامثال تلك الكتابات فقد نقول انها ضحية التباس في المفاهيم، ادى إلى الخلط بين الانطلاق من العقيدة الدينية لفرض التعاليم بالقوة، أو لاعلان الحرب على عقيدة أو عقائد أخرى، وبين الانطلاق من العقيدة لتحقيق انجاز وطني ونهضوي لصالح مجموع الامة. والصيغة الاولى غير مطروحة ليس فقط لانه منهي عنها شرعا، حيث لا اكراه في الدين، وانما ايضا لأنها من افرازات عصور التخلف والانحطاط، في حين ان الصيغة الثانية تستحق الاستحضار والحفاوة، من حيث انها تضيف الايمان الديني إلى الشعور الوطني والقومي، وتوظف قوة ذلك الإيمان من خلال قوة تأثيره وفاعليته المشهودة في الذود عن الوطن او النهوض به. وهو النموذج الذي أثبت نجاحه في صمود وبسالة حزب الله، في حين أزعج “الاسرائيليين” وخوفهم. وهو ايضا ما فطن اليه اليسوعيون في امريكا اللاتينية الذين اطلقوا فكرة “لاهوت التحرير” في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لمواجهة الظلم السياسي والاجتماعي الذي يعاني منه الناس.

    أفهم أن ينزعج “الإسرائيليون” ومن لف لفهم من أن ترفع راية “الجهاد” جنباً إلى جنب مع رايات المقاومة الأخرى، في مواجهة طموحات المشروع الصهيوني التوسعية والاستيطانية. لكنني لا أفهم أن تضيق صدور بعض مثقفينا بتوظيف الطاقة الإيمانية والجهادية سواء في معركة التحرير أو في معركة البناء والتعمير. ولا أخفي دهشة واستغراباً من استسلام بعض النخب العربية - خصوصاً جهات القرار- لذلك الانطباع البائس، الذي يعتبر تلك الطاقة الإيمانية خطراً يتعين التعامل معه بالاقصاء والقمع، وليس رصيداً يمكن استثماره لصالح عافية الوطن وتقدمه. وهو مسلك يوقع المرء في حيرة تجعله رهين المحنتين، إذ لا يعرف أي السهام يرد، تلك التي تستهدف الوازع الديني من الخارج، أو التي تنهمر عليه من الداخل.

    المحزن والمفجع في الأمر أن التجربة التاريخية أثبتت أن تلك السهام عجزت عن تحقيق مرادها في إجهاض الطاقة الإيمانية أو إبطال مفعولها، في حين حققت نجاحاً وحيداً تمثل في إضعاف مناعة مجتمعاتنا، وإصابتها بالإعاقة التي أثرت في قدرتها على الحركة فضلاً عن النمو.

    ماذا نسمي هذا: سياسة أم غباء وتياسة؟!

  7. مشاهد من الحرب السادسة ـ عصام عبد العزيز

    المشاهد التي أسفرت عنها الحرب السادسة كثيرة ومتنوعة قد تكتمل معالمها مع مرور الوقت بعد أن وضعت الحرب أوزارها وصمتت المدافع والصواريخ إلى حين … ويمكن لنا أن نتوقف أمام عدد منها لعلها تساعد على رسم صورة واقعية لما حدث لم يكن ليدركها أصحاب العواطف الملتهبة أو الذين تخندقوا مع الشيطان الأكبر.

    (1) تغير نوعي في رد الفعل

    ثمة تغير نوعي في رد الفعل العربي والإسلامي إزاء العدوان الصهيوأمريكي على لبنان فبعد أن كانت الأنظمة تشجب وتدين مثل هذه الاعتداءات أو تغض الطرف عنها وجدنا بعضها هذه المرة يقف صراحة موقف المؤيد والداعم للعدوان الأمر الذي دفع رئيس الأركان الصهيوني إلى القول بأننا لأول مرة نخوض حرب يؤيدنا فيها العالم إضافة إلى دول عربية كبرى !! إزاء هذا الموقف الغير أخلاقي والغير متوقع كان رد فعل الشعوب العربية والإسلامية هذه المرة متغيراً أيضاً فصبت جام غضبها على هذه الأنظمة مطالبة بعزلها بعد أن أصبح خطرهم على الأمة أشد خطراً وأكثر بلاءً من أعداء الخارج و أن بقاءهم يعنى حماية امن الصهاينة فأزمة الأمة في قادتها وهذا في ظني البداية الصحيحة للنهوض .

    (2) ولادة شرق أوسط مقاوم

    شرق أوسط مقاوم للهيمنة اتساع جبهة المقاومة والصمود الرافضة للهيمنة الغربية والصهيوأمريكية، وامتدادها لتشمل كل القوى الوطنية والإسلامية والقومية على امتداد العالم الإسلامي بل امتدت إلى الجاليات العربية والإسلامية في دول أوربا وأمريكيا وهو ما يمهد لولادة شرق أوسط كبير مقاوم على غير ما تريد حمالة الحطب كوندليزا رايس.

    (3) انهيار الأساطير

    انهيار أسطورة إسرائيل الكبرى ، وانهيار أسطورة الجيش الذي لا يقهر ونظرية الأمن الإسرائيلي ونهاية شعار الاستسلام خيار استراتيجي ونظرية الأمن مقابل السلام فلا القنابل الذكية ولا الأسوار العالية تمنع صواريخ ورش الحدادة من إجبار يهود على النوم في الملاجئ والمصحات النفسية أو الهجرة من أرض الميعاد وإن غداً لناظره قريب .

    (4) المعايير المزدوجة

    في الوقت الذي يتسابق في الأمريكان والدول الأوربية من أجل تقسيم السودان بحجة إنقاذ أهل دارفور… فإذا بهم إزاء العدوان البربري على لبنان وتدميره وتشريد أهله يغطون في نوم عميق لمدة شهر … واستيقظوا بعد أن أدركوا أنه إذا طال أمد الحرب لن تكون في صالح بني صهيون … وقرار وقف إطلاق النار رقم 1701 محاولة لإعطاء الدولة العبرية بالسياسة مالم تقدر عليه بالحرب ولا عجب فالكفر ملة واحدة.

    (5) ولاء حزب الله

    ولاء حزب الله لإيران لم يكن يوماً ما سرياً, أوخافياً على أحد, ومظاهر تبعيته لإيران كانت واضحة في كل مواقف الحزب ومدوناته وسياساته ووسائل إعلامه منذ تأسيسه وحتى اليوم فهو يستمد توجهه الديني والإيديولوجي من إيران ويأخذ بمبدأ ولاية الفقيه وعصمته … إضافة إلى الدعم المادي والعسكري الغير محدود… فليس من المعقول منطقاً ولا عقلاً بعد هذا أن تكون سياسات الحزب وتصرفاته على المستوى المحلي والإقليمي بعيدة عن التوجهات الإيرانية!! ومن الثابت أن الجماعات العقائدية وخاصة الشيعية تدين بالولاء لعقيدتها ومرجعيتها فقط دون اعتبار للوطن والشركاء فيه إلا بما يحقق مصالحهم… وتحركاتها على الأرض انعكاس لهذه العقيدة ومن المستحيل الانحراف عنها أو الانخداع بغيرها ! مثال ذلك ما يحدث من الجماعات الشيعية في العراق فمن أجل مرجعيتها الإيرانية ومصالحها مكنت للاحتلال في العراق وتسعى سعياً حثيثاً لتمزيق وحدته وتهجير قسري لأهل السنة من المحافظات الجنوبية… فهل هذا من أجل العراق ووحدته وفلسطين والعرب ؟ أم من أجل إيران ومذهبها ؟ وحزب الله لن يغرد خارج السرب فالمنطلقات والمرجعيات واحدة…رغم هذه البديهية التي لا تحتاج إلى دليل وجدنا تصريحات ومقالات وقصائد شعرية جعلت من حزب الله منقذاً للعرب وعلى يديه تحرير فلسطين!! على النقيض من ذلك تصريحات وفتاوى تحذرنا من تأييد حزب الله !! وفي ظني أن الأمر لم يكن يحتاج لمثل هذا التطرف فالأمر أبسط من ذلك .. نعم نؤيد حزب الله بلا إفراط ولا تفريط فهذا واجب الوقت فنحن مع كل حرب هجومية على الصهاينة أياً كان مبعثها لأنها في النهاية تصب في صالح القضية الفلسطينية إن تم استثمار وتوظيف نتائجها السياسية والعسكرية استثماراً صحيحاً من قبل أصحاب الشأن فكم من نصر قاد إلى هزيمة محققة والعكس صحيح.

    (6) الهلال السني والبكاء على اللبن المسكوب

    الأنظمة السنية الحاكمة (وهذه تسمية فيها نظر) تحذر من قيام هلال شيعي يمتد من إيران إلى لبنان وتتباكى على حقوق أهل السنة في العراق ..!! قلت صحيح إلّلي استحوا ماتوا … حتى متى يتم الاستخفاف بالشعوب من قبل هذه الأنظمة ؟ ومن أعطى إيران هذه الفرصة؟ ومن الذي أتي بالشيطان الأكبر إلى المنطقة وساعده في تقطيع أوصال الهلال السني ومكن له في المنطقة وجعله يتحكم في البلاد والعباد… إيران أم الأنظمة السنية؟ من الذي طارد دعاة أهل السنة وفتح السجون لحساب الشيطان الأكبر… إيران أم الأنظمة السنية؟ ومن هو الأسوأ ؟ الأنظمة السنية أم النظام الشيعي ؟ لن نحتاج إلى أدلة كثيرة كي نعرف الجواب فيكفي أن نذكر هنا بعض الأمثلة: الإيرانيون والشيعة عموماً لهم مرجعية دينية يحتكمون إليها ويعملون وفق توجيهاتها بغض النظر عن منطلقات هذه المرجعية التي نوهنا عن بعض ملامحها، فما هي مرجعية الأنظمة السنية الحاكمة ؟ إن كنت تدري ولم تتحرك فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم !! للأسف لا توجد مرجعية دينية معتبرة تحفظ للناس دينهم ودنياهم فقد طلقوها بالثلاث ومطاردة واعتقال كل من ينادي بالعودة إليها إلا ما يخدم مصالحهم ، ولا علمانية مؤسسية تعطي الشعوب حرية الاختيار، ولا وطنية تعلي من قيم الحب والانتماء وتعيد مجد الآباء … إنها مرجعية النفس و الهوى والشيطان الأكبر (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). تتعامل إيران مع الشيطان الأكبر أمريكا من منطلق الندية وفق رؤية إستراتيجية تخدم مصالحها وحقوقها وإن افتقدت أساسها الأخلاقي فالمصلحة في المذهب الشيعي تتعدى النص ولا تحترم ثوابته ، أما الأنظمة السنية تتعامل مع أمريكا لدرجة تفوق علاقة العبد بالسيد والأمر لا يحتاج إلى دليل، الشعب الإيراني يقوم بانتخاب رئيسه وممثليه بشفافية شهد بها الأعداء وفق قواعد دستورية محترمة من الجميع، أما الأنظمة السنية فمنهم من جاء على ظهر دبابة أو وفق انتخابات واستفتاءات مزورة … بما يضمن بقاؤهم وأبناؤهم في الحكم بأي شكل وبأي صورة ، إيران تتقدم عسكرياً وصناعيا واقتصادياً وفق رؤية إستراتيجية لخدمة الشعب ومستقبله بينما الأنظمة السنية تعاني حساباتها الشخصية من تخمة نتيجة النهب والسرقة وصفقات الأسلحة المليارية في الوقت الذي تعيش فيه مجتمعاتهم بين ظلمات ثلاث فقر متقع وجهل منسي ومرض مقعد والأمر لا يحتاج إلى دليل، إيران والجماعات التابعة لها تدير أكبر شبكة إعلامية لخدمة أهدافها ومرجعيتها… أما الأنظمة السنية والمستفيدين من وجودها ينفقون من أموال الشعوب التي نهبوها ليصدوا عن سبيل الله والسعي سعياً حثيثاً على نشر الفساد والرزيلة ومطاردة كل القيم الشريفة… هل الأمر يحتاج إلى مزيد لمعرفة من الأسوأ … ففي الفم ماء كثير.

  8. حرب لبنان ودعاوى السلام

    د. عبد الوهاب المسيري

    ربما كان الأمر الوحيد الذي يجمِع عليه المحللون في الكيان الصهيوني وفي البلدان العربية على حد سواء، فيما يتعلق بتبعات الحرب على لبنان، هو أن الأوضاع في المنطقة بأسرها قد تغيرت تغيراً جوهرياً منذ اندلاع الحرب في 12 يوليو 2006. ورغم تباين الآراء حول حدود هذا التغير ومغزاه وآفاقه وحول حسابات المكسب والخسارة من هذا التغير، فإن ثمة اتفاقاً عاماً على أنه لا عودة للأوضاع التي كانت سائدة من قبل، وأن أية خطط مستقبلية من الجانب العربي أو الصهيوني لابد وأن تنطلق من هذا الواقع الجديد الذي أنتجته الحرب.

    ويمثل مستقبل العلاقات بين الكيان الصهيوني وبلدان المنطقة، إنْ سلماً أو حرباً، إحدى القضايا الأساسية التي تحظى باهتمام كثير من الكتاب في الصحف الإسرائيلية. وإذا كانت بعض الأصوات تنادي بضرورة الاستعداد لحرب قادمة، سواء مع لبنان أو سوريا أو إيران أو مع الثلاثة في آن واحد، وترى أن مثل هذه الحرب ضرورية لبقاء “دولة إسرائيل”، فإن الرأي السائد هو أن حرب لبنان ينبغي أن تكون عبرةً تُستخلص منها الدروس عن حتمية التوصل إلى تسوية ما تكفل التعايش بين الدولة الصهيونية ومحيطها العربي والإسلامي، حتى وإن استدعى الأمر تقديم “تنازلات” مريرة.

    ويُعد هذا الرأي تحولاً مهماً ينبغي التوقف عنده والسعي إلى فهم منطلقاته ودلالاته، بغض النظر عن صيغ التسوية المطروحة ومدى تلبيتها للحقوق والتطلعات المشروعة للشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني. فقبل اندلاع الحرب على لبنان، وخلال أيامها الأولى، كانت لغة القوة هي الأكثر شيوعاً في الأوساط الصهيونية، وخاصة في أعقاب فوز حركة “حماس” في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وقيادتها للحكومة الفلسطينية الجديدة، وكانت النغمة السائدة هي استحالة التوصل إلى أية تسوية مع الجانب الفلسطيني في ظل قيادة “حماس”، بل ورفض أي شكل من أشكال التعامل مع تلك القيادة المنتخبة ديمقراطياً. وفي الوقت نفسه، كانت المذابح اليومية التي ترتكبها القوات الصهيونية ضد المدنيين في قطاع غزة، وكذلك اقتحام سجن “أريحا” واختطاف أحمد سعدات، أمين عام “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، ورفاقه، واعتقال عدد كبير من وزراء الحكومة الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي، بمثابة تأكيد للنهج القائم على أوهام القوة والهيمنة.

    فما الذي حدث على صعيد الوعي والرأي العام داخل الكيان الصهيوني حتى تتراجع الأصوات الداعية إلى الحرب وفرض الأمر الواقع بالقوة؟

    يجيب “ران كوهين” (صحيفة هآرتس، 11 سبتمبر 2006) على هذا التساؤل جزئياً، في سياق عرضه لتبعات الحرب الأخيرة، فيقول: “في الأسابيع الأخيرة ساد اعتقاد في أوساط الجمهور والمحللين السياسيين بوجوب استخلاص العِبر من الحرب التي انتهت الآن من أجل الفوز في الحرب القادمة في الشمال. وهكذا يُجمع الجميع على أن خطة أولمرت للانطواء (الحل من جانب واحد) قد لفظت أنفاسها، وأن من الواجب الاستعداد لأسوأ الأمور في الساحة الفلسطينية أيضاً. والرأي الشائع هو أن على جنود الجيش الإسرائيلي، وليس على السياسيين، أن يكبحوا الحرب القادمة بأجسادهم. وكأن الحرب قدَر من السماء، أو هزة أرضية يمكن توقعها، ولكنْ ليس من الممكن منعها. ولكنَّ الحرب ليست كارثة طبيعية أو قدراً محتوماً، فهي نتاج للمجريات السياسية والداخلية التي يمكن توقعها، بل وتغيير مسارها في اتجاهات أخرى أكثر ملاءمة. وفي الوضع الحالي توجد فرصة لإزالة مؤامرة “محور الشر” من خلال فتح “محور الخلاص” المعروف والمُجرب: عملية السلام مع الشركاء المحتملين. لقد أصبحت حكومة أولمرت وبيريتس فارغة من الأهداف والمضامين بعد أن كان الجمهور قبل أشهر قلائل ينتظر تشكيلها ويحدوه الأمل. وقد غدت حكومة الانطواء والنظام الاجتماعي الجديد الآن بلا أهداف بعد أن مات هذان الهدفان الرئيسيان ودُفنا خلال حرب لبنان الثانية. والطريقة الوحيدة لإعادة البناء السياسي لا تتمثل بمناورة ضم حزبي “الليكود” أو “إسرائيل بيتنا” للحكومة، فهذه الخطوة ستكون سخيفة وتؤكد فقط على فقدان هذه الحكومة لهويتها وغاياتها.

    وعلى الحكومة أن تستوعب عوامل الأزمة، وليس نتائجها فحسب، وليس هناك ما يمكن أن يشكل انعطافة على هذا الطريق سوى السير نحو طاولة المفاوضات مع سوريا ولبنان والفلسطينيين”.

    وبالمثل، يؤكد “شلومو جازيت”، (صحيفة معاريف، 11 سبتمبر 2006) على أن البدء في مفاوضات جدية من أجل التوصل إلى تسوية هو المخرج الوحيد أمام الكيان الصهيوني، ولكنه يضيف عنصراً آخر يدلل به على حتمية البحث عن هذا المخرج، ألا وهو قرب تحول إيران إلى قوة نووية، بل ويذهب به التشاؤم إلى حد القول بأن البديل للتسوية السياسية لن يكون سوى “القضاء على دولة إسرائيل”. يقول الكاتب: “لا ينبغي أن نوهم أنفسنا. ستكون إيران إن عاجلاً أم آجلاً قوة نووية. وحتى لو فُرضت عليها عقوبات من أي نوع، فلن تكون قادرة على منع أو حتى إعاقة العملية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أية محاولة لتدمير المنشآت النووية لن تفضي، في أفضل الأحوال، إلا إلى تأخير الجدول الزمني، ولكنها ستؤدي في المقابل إلى تعميق رغبة إيران في الانتقام. وفي نهاية المطاف، فسوف تكون النتيجة إنتاج سلاح نووي، مع إمكان إطلاقه على إسرائيل أيضاً”.

    ويناقش الكاتب الآراء السائدة في الكيان الصهيوني بشأن مستقبل القدرات النووية الإيرانية، ويرى أن ثمة نظرة متفائلة تستبعد إقدام إيران على توجيه سلاحها النووي المنتظر ضد الكيان الصهيوني. وتستند هذه النظرة إلى أن إيران تدرك جيداً القدرات النووية المتوفرة لدى الكيان الصهيوني، وهو ما يمثل نوعاً من الردع، ومن ثم فلن تغامر بالدخول في مواجهة قد تؤدي إلى تدمير الطرفين معاً. وفي المقابل، فإن هناك نظرة متشائمة ترى أن “القيادة الإيرانية مدفوعة بقوة إيمان ديني متشدد. وحتى لو امتلكت إسرائيل القدرة على توجيه ضربة ثانية مدمرة، فلن يكون ذلك رادعاً لإقدام إيران على عمل يهدف إلى تخليص العالم من الكيان الصهيوني”. ويبدو الكاتب أميل إلى هذه النظرة المتشائمة، ومن ثم يخلص إلى القول:

    “يجب على إسرائيل أن تتبنى استراتيجية تقوم على الاحتمال المتشائم. علينا أن نصبر على افتراض أن إيران ستكمل تطوير سلاح نووي، وعندئذ يمكن أن تقدم على عمل مجنون يهدف إلى القضاء على إسرائيل.

    ليس أمامنا كثير من الوقت، إذ يبدو واضحاً أن إيران ستكمل تطوير قدراتها وتتوصل في غضون سنوات معدودة إلى امتلاك مستودع من القنابل النووية بما يمكنها من توجيه الضربة المجنونة. وقد يكون بوسع إسرائيل أن توجه ضربة تحدث ضرراً بالغاً بإيران، لكن ذلك لن ينقذ إسرائيل من ضربة شديدة. ومن هنا نستنتج أنه إذا كانت إسرائيل ترغب في البقاء، فإن أمامها طريقاً آمناً للخلاص من هذا الخطر. علينا أن نبعد الحجة التي يتعلل بها النظام الإيراني لمعاداة إسرائيل. علينا أن نستغل السنوات المعدودة المتبقية للتوصل إلى اتفاقات سياسية مع سوريا والفلسطينيين، فمن شأن السلام بين إسرائيل وجاراتها أن يزيح البساط من تحت أقدام السياسة الإيرانية. نحن نعلم ما هو الثمن السياسي الباهظ الذي سيُطلب إلينا أن ندفعه من أجل التوصل إلى اتفاقيات سلام، ولكن يجب أن يُقارن هذا الثمن بالبديل الفظيع، ألا وهو إبادة إسرائيل مادياً”.

    ومن الواضح أن هذا التشاؤم لدى قطاع لا يُستهان به من الرأي العام في الكيان الصهيوني ما كان له أن يبرز على هذا النحو، لولا إنجازات المقاومة في لبنان وفلسطين. ولعل هذه الحقيقة تكون حافزاً لإعادة النظر في مقولات المتشائمين العرب، الذين لا يكفون عن التهوين من شأن هذه الإنجازات والدعوة إلى التخلي عن منطق المقاومة، بل وعن أبسط قيم الحق والعدل والكرامة.

    والله أعلم.

  9. د. محمد يحيى

    أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي أرينز في تصريح أبزرته جريدة الأهرام على صدر صفحتها الأولى أن ما حدث لجيش كيانه في لبنان كان هزيمة لم يتعرض لمثيلها من قبل.

    حدث هذا في وقت كان فيه حكام العرب وصحفهم يتسابقون في إثبات أن جيش الدفاع المشهور لم يهزم في لبنان وأن كل ما حدث هو أنه دمر لبنان فقط. بل ووجدنا في نفس العدد من جريدة الأهرام الذي أبرز تصريح وزير دفاع إسرائيل السابق (عدد 11/9) من يكتب مقالا يجاهر فيه لإثبات أن حزب الله يجب أن يوضع تحت محاكمة دولية لأنه هو السبب في تدمير لبنان.

    وقبلها سمعنا تصريحات تؤكد أن حزب الله والمقاومة الإسلامية خسروا المعركة العسكرية أو على الأقل أن الجيش البطل إياه لم يخسر. ووصل الأمر كما ذكرت في مقال سابق أن البعض في مصر اعتبروا أن أي حديث عن انتصار للمقاومة اللبنانية هو خيانة وطنية وهجوم على الجيش المصري وإنكار لبطولاته ولنصره على إسرائيل عام 1973 وكأن هناك احتكار للنصر على إسرائيل كما هو للحكم عند البعض. رغم أن أحدا لم ينكر ولا يمكن أن ينكر الانتصار المصري الذي أنكره وزير الدفاع الصهيوني عمدا ولم يشر إليه لأنه فضيحة لهم حينما قال إن جيشهم لم يهزم من قبل والواقع أنه هزم كذلك في حرب الاستنزاف قبل حرب أكتوبر.

    المهم أن البعض وصل في محاولته إنكار أي نصر للمقاومة اللبنانية إلى حد إشعال فتنة داخلية ولعب بالنار وزج بالجيش في سجال واستعداء للجيش المصري الذي هو الابن الشرعي الوحيد للشعب المصري على قطاعات كبيرة من هذا الشعب فرحت للنصر اللبناني.

    عموما تصريح وزير الصهاينة الأسبق ينهي المسألة والنقاش ويسجل على جيش الصهاينة ودولتهم هزيمة وعارا تاريخيا غير مسبوق كما يقول هو. ولا يمكن أن ننسب الحديث عن الهزيمة إلى الصراعات الداخلية السياسية في إسرائيل لأن هذه الصراعات لن تجعلهم يقحمون الجيش الذي تقوم عليه وعلى مذابحه وجرائم دولتهم وكيانهم كله.

    وسوف تستمر المهزلة عندما نجد الاستعانة في مصر وبلاد أخرى في تحويل الهزيمة التي اعترفوا بها هناك إلى نصر لا لشيء إلا كراهية في المقاومة الإسلامية وفكرة المقاومة ذاتها.

  10. لعله من البديهي القول ان المعاهد العسكرية وخبراءها واجهزتها، يعكفون على دراسة الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله” في جنوب لبنان، سعيا وراء استخلاص العبر والدروس من وراء هذه الحرب، اذ كيف استطاعت “عصابة مسلحة” (بالمفهوم العسكري)، ان تمنع عن احد اكبر وأهم الجيوش في العالم، عدة وعددا وقسوة وعنفا، ان يهزمها ويحقق انتصارا عليها.

    ومثلما تجهد اجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (وربما غيرها) في البحث عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بهدف القضاء عليه، فإن الاجهزة الاستخبارية لهذه المعاهد، تنشط من اجل معرفة اسرار هذه الحرب: كيف خاضتها المقاومة؟ كيف قاتلت وناورت؟ اي استراتيجية عسكرية اتبعتها؟ اي تحصينات اعتمدت عليها امام اطنان القذائف التي اسقطت فوق رؤوس المقاتلين، والتي قدرت بمعدل قنبلة ذرية؟

    بالطبع، ليست المرة الأولى التي تنتصر فيها حرب العصابات على جيوش كلاسيكية. ولعل حرب فيتنام والثورة الكوبية اكبر مثال على ذلك. فعندما يتسلح الانسان بالارادة والعقل والادارة الواعية، تصبح الهزيمة عصية عليه، مهما كانت قوة الخصم.

    بالتأكيد، سيكشف الزمن يوما اسرار هذه الحرب. وليست الحقيقة كلها، بل هو جزء يسير منها، ذلك الذي عرضته قناة “الجزيرة” الاسبوع الماضي من بلدة عيتا الشعب، عندما دارت الكاميرا مع احد المقاتلين في احياء البلدة وزواريبها، شارحا الكيفية التي قاتل بها المقاومون، بين منازل البلدة وسراديبها التي لم يقتنع احد بأن مثل هذه المخابئ يمكن ان تصمد امام القصف الجوي والمدفعي العنيف الذي شاهدناه على الهواء عبر شاشات التلفزة.

    ولأن الناس مفطورون على نهم المعرفة وسبر الأغوار وملاحقة “ما خفي كان اعظم”… ولأن الاسرار تعذب عقول العامة والخاصة، راحت المخيلات تبني اشكالا متنوعة من التقديرات والخلاصات التي قد تكون صحيحة، وقد لا تكون، حتى ضربت المبالغات في احاديث الناس ومجالسهم صورا تفوق الخيال.

    من هذه التقديرات ان المقاومة ربطت قرى الجنوب ومدنه واحياء الضاحية الجنوبية، بشبكة معقدة من الانفاق الضاربة في العمق، شكلت مخابئ تفوق الوصف للمقاتلين والصواريخ والتموين وكل ما يلزم من عدة القتال. ومن خلال هذه الانفاق تمكنت المقاومة من تأمين حصانة عصمتها عن الهزيمة التي تنبأ بها الكثيرون (وتمناها البعض) مع بداية الحرب، وبنوا عليها مستقبل لبنان وبعض دول المنطقة.

    بالتأكيد من حق الناس ان يشغلوا مخيلاتهم على طريقة الافلام “الهوليودية” في غياب المعلومات الحقيقية. ومن حق إسرائيل ان تدرس بعناية كيف عجز جيشها بعدته وعديده عن تحقيق الاهداف التي خاض الحرب على اساسها. ومن حق المعاهد العسكرية والخبراء ان يلاحقوا ويفتشوا ويمحّصوا في خفايا احدى اهم حروب العصابات في تاريخ العالم. ويوما ما ستكون الحقيقة ملك الجميع، ولو بعد حين.

    لكن ما يمكن الركون اليه، ان الاسباب الأكيدة لحصانة المقاومة وتفادي الهزيمة، اعتمدت على سلسلة من الركائز الاساسية التي يمكن الحديث عنها بثقة تامة:

    1 - اولى هذه الركائز هي السرية. فواضح ان هذا المنهج لعب دورا اساسيا في تحصين المقاومة، مستفيدة من تجارب عديدة مرت بها “المقاومات المسلحة”، خصوصا في لبنان، والتي لم يكن لها “سر مخفي”، فكانت عراضات سهّلت للعدو ضربها والقضاء عليها او شل حركتها وذوبانها. وليس سرا ان المقاومة الإسلامية وضعت هامشا بينها وبين عالمها، حتى داخل “حزب الله” نفسه. ويكاد المرء يجزم ان قلة قليلة من قيادة الحزب وكوادره الظاهرين للعيان، تعرف اسرار المقاومة. وهذا ليس عيبا، ولا ضربا من ضروب التقية والباطنية، بل هو مظهر من مظاهر الحيطة التي صنعت انتصارات المقاومة على مدى ربع قرن من الزمن.

    2 - ثانية هذه الركائز، كانت في اعتماد البدائل. فواضح ان المقاومة ومن خلفها الحزب، اعتمدا هذا الاسلوب في كل المجالات العسكرية والسياسية والاعلامية والحياتية. وتؤكد الوقائع منذ الثاني عشر من تموز الماضي، ان حزب الله هيأ المسرح لكل الاحتمالات، واعتمد بديلا لكل احتمال، بدءا من قناة “المنار” وإذاعة “النور”، وانتهاء بالمخابئ السرية لأمينه العام وقيادته. هذه البدائل جعلت الحزب حاضرا في كل مكان وزمان، على الرغم من العيون الأرضية والفضائية المفتوحة عليه، من مخبرين وطائرات استطلاع واقمار صناعية، ولم تستطع المطاردات السريعة للقوة الجوية الإسرائيلية ان تنال من قيادة الحزب وكوادره الأساسيين.

    3 - الركيزة الثالثة هي المصداقية التي تركت اثرها الفعلي لدى جماهير المقاومة وعدوها على السواء. فعلى الرغم من مشروعية المناورة السياسية، شكلت الرسائل المتلفزة للسيد حسن نصر الله، جزءا لا يتجزأ من المعركة، واكتسبت مصداقية لدى العدو قبل الصديق. وينطبق هذا الأمر على إعلام الحزب والبيانات العسكرية للمقاومة، التي غالبا ما كان العدو نفسه يؤكدها، ولا يستطيع ان يتهرب من وقائعها. وفي الخلاصة، فإن عامل الثقة بين المقاومة وجمهورها، أكسبها قوة ومناعة وعزيمة استمدتها من حجم الاحباطات المزمنة للأمة جمعاء من محيطها الى خليجها.

    4 - وتبقى الركيزة الأساسية للمقاومة، هي إنسانها المقاوم.. مقاتلها المحصّن بإيمان لا يلين، ينظر الى الشهادة والموت نظرة المستهين لا المستهول. فهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وقائدهم، لم تأخذهم شهوات الدنيا، فاشتروها بالآخرة. هؤلاء يستحقون الدراسة، ويستأهلون من الغرب التوقف أمامهم، أبعد من “إرهابيين” يقاتلون الحرية والديموقراطية والشرق الأوسط الجديد، وأبعد من فكرة العمالة لسوريا وإيران و”محور الشر”.

    انهم مجانين؟.. ربما.. لكن المجنون الحقيقي هو من يستمر في التعامل معهم على انهم مجانين، سواء انتصروا أم انهزموا.

  11. التحليل السياسي لما بعد العدوان الصهيوني على لبنان

    هل استطعنا ان نحصد ثمار انتصارالمقاومة؟

    د. هشام البستاني

    لا يجادل احد في النصرالعسكري الذي احرزته المقاومة اللبنانية (حزب الله)، ويتمثل هذا النصر في جانبين اساسيين: اولهما عدم تمكن الكيان الصهيوني من تحقيق اهدافه التي وضعها في بداية العدوان والمتمثلة بنزع سلاح حزب الله، وطرده الى ما بعد الليطاني، وفرض معادلة سياسية جديدة كليا في لبنان والمنطقة العربية، واسترجاع جندييها الاسيرين. وثانيهما هو الخسائر العسكرية الكبيرة نسبيا التي تكبدها الجيش الصهيوني ماديا ومعنويا، وفشله في اغلب المعارك التي خاضها، ولجوئه المباشر والواضح الى قصف المدنيين والبنية التحتية، والدمار الشديد الذي الحقه بالضاحية الجنوبية وقرى الجنوب، كمحاولة للتعويض عن الفشل في المواجهة العسكرية، وخلق ميكانزمات مختلفة للابتزاز السياسي/العسكري.

    والانتصار هذا لم يؤكده التحليل فقط، بل اعترف به الكيان الصهيوني نفسه اكثر من مرة وهو الان سبب ازمة سياسية في صفوف الجيش والحكومة في الكيان، فمثلا اعلن وزير الاسكان الاسرائيلي مئير شطريت بتاريخ 1 آب في عزالعدوان انه “لا يمكن القضاء بالقوة على قدرات حزب الله العسكرية”، معتبرا ان “حل النزاع القائم بين اسرائيل وحزب الله يمر عبر تسوية دولية” وأقر بعدم وجود أي امكانية “لتدمير صواريخ حزب الله كلها… لا عن طريق ضربات جوية ولا عن طريق عمليات برية”(1). في حين اقر ايهود اولمرت نفسه بالفشل حيث قال في مؤتمر لرؤساء البلديات في حيفا: “لم نكن مستعدين كما يجب، لم نحصل على النتائج المتوخاة، حصلت نواقص وحتى إخفاقات…وعلينا ألا نتجاهل هذه الثغرات”، معلنا عن “إنشاء لجنة تحقيق عامة بشأن هذه الثغرات والإخفاقات” (2). كما اكدت هذا الانتصار مصادر عسكرية محايدة او شبه محايدة، مثل دراسة للعميد الركن احمد عيد المصاروة مدير التوجيه المعنوي في الجيش الاردني، وفيها يقول العميد المصاروة: “… ويعتبر اهم جانب في البعد العسكري لهذه الحرب هو كسر نظرية الردع الاسرائيلي وتمريغ انف الجيش الذي لا يقهر في التراب..”، ويخلص العميد المصاروة الى القول بانه: “وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بلبنان فيمكن القول ان المقاومة قد انتصرت في هذه الحرب.”(3)

    اذا، نستطيع ان نخلص بنتيجة حاسمة، وبشهادة الجميع تقريبا، ان المحصلة النهائية للعدوان الصهيوني 2006 على لبنان هو انتصار المقاومة.

    هذا جميل…. ولكن في الفهم السياسي للحروب، لا تخاض الحرب لذاتها بل تخاض لتحقيق نتائج سياسية. هنا يكون الانتصار الفعلي، وهنا تكمن المعادلة، فهل تمكن العرب (انظمة وشعوب) من جني ثمارالانتصارالمكلف الذي دفع اللبنانيون ثمنه دما ودمارا؟

    فيما يلي محاولة للاجابة على هذا السؤال ومقاربة المتغيرات المختلفة التي يحتويها:

    على الصعيد العربي الرسمي:

    راهن النظام العربي الرسمي في بداية المعركة على النصر الامريكي/الصهيوني، والحسم المبكر للمعركة بحسب التقديرات الصهيونية التي تربطها بالانظمة العربية واجهزتها الامنية اتفاقات تعاون وسلام من فوق او من تحت الطاولة. واعلن قادة ثلاث دول “مؤثرة” عربيا ومعروفة دوليا بشراكتها الاستراتيجية للولايات المتحدة (وبالتالي اسرائيل) ان ما اقترفه حزب الله هو “مغامرة غير محسوبة النتائج”(4)، وهي نفس الدعاية التي كان يوجهها الصهاينة الى الداخل اللبناني بقصد العمل على تفتيت بنيته الداخلية السياسية الهشة اصلا.

    طبعا لا بد من استثناء النظام السوري من هذا التعميم نظرا لخصوصية وضعه الاقليمي وارتباطه بتحالف استراتيجي مع ايران.

    ومع استمرارالعدوان وصمود المقاومة وفشل الالة العسكرية الصهيونية في حسم المعركة خلال يومين او ثلاثة كما راهن الامريكان وتبعهم في ذلك تابعيهم المحليين، بات النظام الرسمي العربي محرجا تماما لعدة اسباب فشل رئيسية:

    اولا—فشل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الحسم العسكري المبكر رغم انه (اي النظام الرسمي العربي) قد حسم موقفه مبكرا في المعركة لصالحهم، وهو ما كشف عن عدم وجود تقديرات مستقلة وتبعية النظام الرسمي العربي حتى في تحليلاته المحلية والاقليمية.

    ثانيا—عدم قدرته على التأثير باي شكل من الاشكال على مجريات الامور لا دبلوماسيا ولا عسكريا، فقد كان النظام الرسمي العربي اقل من “صفر على الشمال” من حيث القيمة والتأثير، وهو امر لا يحرج النظام الرسمي كثيرا الا اذا تكشف للعامة ممن يحكمهم بالقمع والتضييق، وقد تكشفت الحقائق مبكرا في هذا العدوان.

    ثالثا—الفشل النهائي والشامل للاطار “التنسيقي” للنظام الرسمي العربي، اي “جامعة الدول العربية”، وتمثل هذا الفشل بعجز الجامعة الكامل وتخبطها وعدم استطاعتها الخروج ولو بموقف اجماع ازاء العدوان في بدايته؛ واثبات “سقوط معاهدة الدفاع العربي المشترك” كما اشار العميد المصاروة في دراسته(5)، بل يتمثل اساسا في اعلان امين عام جامعة الدول العربية :”موت عملية السلام”(6)، أي…

    رابعا—فشل الاستراتيجية العربية الرسمية التي دامت حتى الان ما يقارب الـ60 عاما في مواجهة اهم خطر في المنطقة: اي الكيان الصهيوني. واصبح لزاما على النظام الرسمي ان ينزع عن نفسه صفة “العربي” لان الاستراتيجية التي كان يتبناها للستين عاما الماضية (وما زال يحكم بها حتى الان وللمستقبل) كانت فاشلة عربيا، ولكن ناجعة وناجحة صهيونيا وامريكيا. بمعنى انها لا تحقق مصالحنا لا كـ”شعوب” على المستوى القطري ولا كأمة… وحتى اللعبة القطرية التي يلعبها النظام العربي الرسمي ثبت انها لعبة كاذبة، الغرض منها هو غرض تمويهي ليس اكثر للتعمية على ان المشروع الرسمي العربي هو ليس عربيا على الاطلاق بل هو امريكي صهيوني بامتياز، وهو ما سآتي عليه في نقطة منفصلة.

    خامسا— كشف هذا العدوان كما اسلفت سابقا عن زيف اللعبة “القطرية” التي يلعبها النظام الرسمي

    العربي تحت شعار “القطر اولا” (حالات الاردن ومصر ولبنان والعراق)، وثبت انه ليس فقط الشعوب والمنطقة والتاريخ ترفض هذه الفكرة، بل ان الامبريالية الامريكية ايضا ترفضها لانها تبحث عن شرق اوسط جديد او اوسع او كبير (سمه ما شئت)، يعتمد على “الوحدة” والتفتيت”: وحدة الاقليم اقتصاديا تحت هيمنة المركز الصهيوني الامريكي، وتفتيت بناه الاجتماعية الى اشكال “ما دون قطرية” (اي اثنية ومذهبية وطائفية…الخ)، وهي تبحث عن “ادوات” (لا “مشاريع”) لتحقيق هذا الهدف. يتبين اذا ان كل هذه “العراضة”الاعلامية حول القطرية، هي مجرد “ادوات” تستعملها الانظمة للتغطية على تبعيتها للمشروع الامريكي/الصهيوني وليست “مشروعا قطريا” على مستوى القطر السايكس-بيكوي لان هذا القطر فقد وظيفته وفعاليته في السياقات الجديدة، وسقطت المعادلة “القطرية” تماما امام المعادلة الاقليمية وتكشفت وظيفتها كأداة للتضليل الداخلي ليس أكثر.

    ….اذا، كل هذه الاسباب المحرجة دفعت بالنظام الرسمي العربي الى تغيير خطابه في الايام الاخيرة للعدوان.

    ان الامر الوحيد الذي يعرفه النظام الرسمي “العربي” جيدا ويحسن تقديره هو معادلة وجوده: هو صفر في المعادلات الدولية والاقليمية، ولا يملك بل وغير قادر على صياغة مشروع عربي، ووجوده مرتبط اساسا باللاعبين الكبار في مصائرنا على المستوى الاقليمي، وهم هنا في مشرقنا العربي: الولايات المتحدة/الكيان الصهيوني … وايران … وتركيا بمسافة ابعد…

    هكذا غير النظام الرسمي العربي مواقفه مدفوعا بهاجس “الهلال الشيعي” بعد ان بدأ الرهان على الاسرائيليين يخسر، واخذ يدين العدوان وقتل المدنيين ويبرر المقاومة(7). هذا الانقلاب في المواقف يضاف كـ -سادسا- الى سلسلة العجز والاحراجات والعبث الذي ميز النظام الرسمي “العربي” في الازمة الاخيرة وطوال ستين عاما الى الوراء!

    طبعا لم يكن احد ليعول على النظام الرسمي العربي، ولكن كان لا بد من ايراد التحليل اعلاه للخلوص بنتائج حول دوره ووظيفته وآفاقه المستقبلية.

    على الصعيد الشعبي العربي:

    ليس الحديث هنا عن “المزاج الشعبي العام” الذي لا تتيه بوصلته عموما ويظل معاديا للمشروع الامريكي/الصهيوني وينحاز اوتوماتيكيا الى الطرف المقاوم، بل عن الفعل الشعبي المنظم والقادر على حصد النتائج السياسية وتقديم الدعم والاسناد للمقاومة. وقد تكشفت اخفاقات هامة على هذا الصعيد هي:

    اولا—عدم اسناد الساحات المقاومة الرئيسية في المنطقة (وهما هنا فلسطين والعراق) للمقاومة في لبنان.

    لا يحق لاحد المزاودة على المقاومتان الباسلتان في العراق وفلسطين، ونقر سلفا بأفضلية من يقاوم بالسلاح على من يقاوم بأي شكل آخر من اشكال المقاومة والمعارضة، وانما الغرض هنا الاشارة الى عدم تمكن هاتان المقاومتان من استغلال اللحظة السياسية لتحقيق مكاسب سياسية هامة.

    أ- ففي العراق لم نسمع عن اية عمليات نوعية او كبيرة استهدفت القوات الامريكية نفذت خصيصا كرد على العدوان على لبنان، رغم ان ذلك العدوان - وباجماع شبه كامل للمحللين- كان “حرباً امريكية بالوكالة”، وأمريكا هي من يحتل العراق وبالتالي العدو المباشر للمقاومة العراقية (ربما كانت هناك حالة واحدة اوردتها الجزيرة لتدميرعربة امريكية اعلن انها تمت انتقاما للعدوان على لبنان على ما اذكر).

    ولم تستطع بعض فصائل المقاومة العراقية تجاوز “العقدة الايرانية” في معركة مباشرة وواضحة يخوضها حزب الله (المدعوم من ايران) ضد الامريكان والاسرائيليين. فقد كان بامكان القوى الوحدوية والمقاومة استغلال هذه المعركة لضرب القوى الطائفية المتواطئة مع المشروع الامريكي في العراق، لكن الذي حصل ان بعض الاطراف الطائفية في العراق هي التي خرجت تأييدا لحزب الله بدافع طائفي في محاولة منها لعكس صورة طائفية على المقاومة اللبنانية وتوظيفها في “المشروع الطائفي” في العراق.

    ب- اما في فلسطين، فقد هدأت الساحة تماما من العمليات العسكرية، رغم ان أسر الجنديين الصهيونيين من قبل حزب الله وما تلاه من عدوان على لبنان قد خفف الضغط جزئيا عن الفلسطينيين الذين كانوا يذبحون يوميا بعملية “امطار الصيف”، واعطاهم املا بترابط المسارات “التفاوضية” حول الجنود الصهاينة الاسرى، واعطانا نحن المراقبين رؤية جديدة بعودة المعركة الى بعدها القومي بدلا من لعنة القطرية و”المسارات المنفصلة”. وكان السيد حسن نصر الله قد اعلن في مؤتمر صحفي عقد بعد أسر الجنديين مباشرة وقبل بدء العدوان أن “العملية جاءت لتعيد للعالم بأسره ما فقده من اخلاق وكرامة وصمت على الجرائم التي ترتكب وبشكل يومي بحق الفلسطينيين” (8)، وانها “تشكل دعما كبيرا ومساندة كبيرة للفلسطينيين…[و] قد تكون مخرجا كون الإسرائيليين لا يريدون التفاوض مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، إلا أنهم سيتفاوضون مع حزب الله في النهاية لأنهم فعلوها في السابق”(9).

    وهكذا فشلت المقاومة الفلسطينية في استغلال هذه المعركة لاعادة القضية العربية الفلسطينية الى مكانها الاصلي: الفضاء القومي، وكسر مشروع عزل الفلسطينيين وانهاء مسألة “فلسطنة” القضية الفلسطينية وحشرها في البعد الجغرافي.

    ثانيا—فشل المعارضة الرسمية العربية في اسناد المقاومة من خلال الضغط الشعبي والسياسي على الانظمة.

    ففي قطر مثلا كانت الصواريخ الامريكية ترسل من القواعد العسكرية هناك الى الكيان الصهيوني دون اي معارضة شعبية حقيقية(10)، في حين لم تقم القوى السياسية المعارضة في الاردن بأية حملة كبيرة ومنظمة على التصريحات الرسمية الاولى التي اعتبرت عملية حزب الله “مغامرة غير محسوبة النتائج”… بل ان اغلب المسيرات والمظاهرات التي تمت كانت تحت غطاء موافقة المحافظ المعني وشروطه المعروفة المتضمنة والغير متضمنة في قانون الاجتماعات العامة القمعي غير الدستوري. كما لم تواجه المعارضة ما تسرب من اخبار تؤكد تفتيش الطائرات المتوجهة الى بيروت في المطارات الاردنية(11).

    مثال آخر هو صلاة الجمعة ويوم الغضب الذي دعت اليه النقابات المهنية الاردنية في الايام الاولى للعدوان بتاريخ 21/7/2006، حيث اغلقت القوى الامنية جميع الشوارع المحيطة بمجمع النقابات ومنعت الدخول اليه، فما كان من النقباء الموجودين وبعد ان رفضت قوى الامن طلبهم الدخول الى المجمع، سوى الانسحاب من المكان بدون اي احتجاج او اعتصام او اقامة للصلاة في الشارع كما كان ينبغي ان يحدث، تاركين الناس الذين لبوا دعوة النقابات وتجمعوا في اربع نقاط حول المجمع لوحدهم.

    المحصلة هي ان الحركة قد اقتصرت على الحدود التي رسمها النظام الرسمي وضمن معطياته التي تجعله هو القادر على توظيفها لا العكس.

    ثالثا—فشل ما يسمى بـ”الشارع العربي”

    واقصد بعبارة “الشارع العربي” هنا هو المجموع العام للتحرك الشعبي العفوي وتطوره، سواءا أكان التحرك بمبادرة قوى سياسية منظمة ام بمبادرة الشارع نفسه.

    فشل الشارع في فرض تغييرات سياسية ولو مرحلية أو شكلية نتيجة لانخفاض حجم ووتيرة تحركه وتحوله اللاواعي الى الالتزام بضوابط السلطة السياسية بضغط وترويج من القوى السياسية المعارضة المنظمة.

    اذا اخذنا “الشارع الاردني” كمثال، وباستعراض سريع لابرز الاحداث والانتفاضات الشعبية في الاردن منذ عام 1989، نجد ان:

    هبة نيسان 1989 قد ترتب عليها رفع الاحكام العرفية وعودة ما سمي بـ “الحياة الديموقراطية”(12).

    التعاطف الشعبي العارم مع العراق 1990/1991 وترتب عليه (ضمن عوامل أخرى) قرارالسلطة السياسية الوقوف الى جانب العراق في ذلك الوقت.

    احداث الخبز 1996 وترتب عليها استحقاق شكلي هو اقالة حكومة الكباريتي.

    احداث الرابية وما تلاها دعما للانتفاضة الثانية عام 2000، وترتب عليها تساهل حكومي نسبي مع المسيرات والمظاهرات غير المرخصة، وعدم اعادة السفير الاردني في الكيان الصهيوني الى مقر عمله(13).

    اما فيما يتعلق بلبنان، فازعم ان “الشارع العربي” قد اكتشف ما سأسميه “المشاركة الفضائية المباشرة”، حيث جلس الناس متسمرين خلف شاشات التلفاز يتابعون لحظة بلحظة تتالي الاحداث بالصوت والصورة عبر شبكات المراسلين وببث حي ومباشر، وكأن هذه المشاركة الافتراضية “الحية” هي مشاركة فعلية في المعركة، وكأن البث الفضائي المباشر بتغطيته التفصيلية الواسعة قد اشبع عند المواطن شعوره بضرورة تقديم “شيء ما”…. هذا “الشيء الما” وجده المواطن بخدعة نفسية ذكية تقتضي ان يعيش المواجهة ويشارك بها…من خلال التلفاز!!

    وربما تجدر الاشارة هنا الى المصطلح الذي نحته برجنسكي عام 1996 في اجتماع ضم عددا كبيرا من صانعي القرار في العالم لنقاش آثار “العولمة”، وخلص الى أن عالم المستقبل سيتكون من 20% من المنتجين [المستغِلين] و80% من المستهلكين [المستغَلين]، وأن هولاء الثمانين بالمئة من “المحبطين” تجب معالجتهم بما سماه الـ Tittytainment حتى لا ينفجر هذا الاحباط ويشكل خطرا على النظام الرأسمالي في سياق تطوره الجديد، وهي كلمة منحوتة من tits اي اثداء احالة الى “الارضاع” و entertainment اي الترفيه – والمقصود هو “ابقاء سكان العالم المحبطين سعداء بمزيج من الترفيه المخدر والطعام الكافي”!!(14) وهو ما قد ينطبق هنا من حيث تحويل الحرب والعدوان من مأساة أخلاقية وانسانية تستدعي المواجهة والمجابهة الى مادة للمشاهدة او “الترفيه المخدر”.

    طبعا لا يمكن فهم “ازمة الشارع” هذه دونما فهم ترابطها الموضوعي مع “ازمة القيادة” و”ازمة المبادرة” والمتشكلة محليا من عدم قدرة المنظمات الشعبية (الاحزاب السياسية والنقابات وغيرها من الاطر المعارضة للنظام الرسمي العربي) من التفاعل مع الشارع وتمثيله والدفاع عن مصالحه، بل تحول مشروع الاحزاب السياسية العربية المعارضة (مثلا) من النضال من أجل البرنامج السياسي والايديولوجي، الى النضال من اجل الوجود السياسي، مع ما يترتب على هذا التحول من استحقاقات نوعية كبرى.

    المعادلة المقلوبة: انتصار عسكري وهزيمة سياسية

    بعد كل ذكرناه سابقا، نستطيع الاستنتاج بحذر ان الانتصار العسكري والسياسي والاعلامي والمعنوي والاخلاقي الذي احرزه حزب الله في مواجهة العدوان الصهيوني خلال المعارك، قد تحول الى هزيمة سياسية بعد أن هدأت المعارك، نتيجة لغياب الاسناد وغياب القوى الفاعلة القادرة التي تحمل رؤية استراتيجية واضحة ومحددة في مواجهة المشروع المعادي.

    وتاليا بعض الدلائل التي تثبت الاستنتاج الذي اوردته:

    اولا: على الساحة اللبنانية:

    أ‌- انتقلت حالة “نقاش سلاح حزب الله” من الخطاب “الضمني” او “المعلن على استحياء”، الى الحالة العلنية الواضحة.

    ب‌- دخلت الى لبنان قوات اوروبية ذات نوعية وتدريب وتسليح متطور وبقدرات هجومية تحت غطاء القوات الدولية “اليونيفيل”، ووجود مثل هذه النوعية من القوات وبهذا التجهيز هو أمر غير معتاد ولم يكن موجودا في لبنان من قبل، ويؤشر الى انضمام لبنان الى قائمة الدول العربية “المحتلة” بالقواعد العسكرية الاجنبية، وقد يحمل هذا الوجود خطرا حقيقيا بمواجهة مسلحة بينها وبين حزب الله، وهي مواجهة ان حصلت ستكون محصلتها السياسية عربيا ودوليا “مائعة” الى حد كبير ومحل نقاش، بعكس المواجهة مع الكيان الصهيوني.

    ثانيا: على الساحة الاردنية:

    أ‌- مرر بعد الانتصار مباشرة “قانون منع الارهاب” الذي يعيد البلاد بـ”جرة قانون” الى الاحكام العرفية.

    ب‌- مرر بعد الانتصار مباشرة “قانون الوعظ والارشاد” الجديد الذي يمنح الحكومة سيطرة حديدية على الخطابة والتدريس في المساجد والفتاوي وغيرها، ويسحب البساط تماما هذه المرة من تحت اقدام الاخوان المسلمين والسلفيين وغيرهم من الاسلاميين الذين كانوا يستعملون هذه المنابر تاريخيا.

    ت‌- اكتسب الحكم بالحبس على النائبين علي ابو السكر ومحمد ابو فارس الدرجة القطعية لزيارتهم بيت عزاء الزرقاوي، واعتبرت عضويتهم في البرلمان ملغاة، ونفذ حكم الحبس بحقهما في رسالة واضحة الى السلطة التشريعية هذه المرة (وليس المعارضة فقط) للتذكير بمصير من يفكر بان يحيد عن الصراط الحكومي “المستقيم”.

    ثالثا: على الساحة الفلسطينية:

    يبدو ان السير في اتجاه تشكيل حكومة “وحدة وطنية” بين النقيضين المفترضين (فتح أبو مازن وحماس) تحظى بقبول اوروبي (نفس اوروبا التي ترسل قواتها الآن الى لبنان) قد اصبح سالكا بعد الانتصار!!

    سبب هذه النتيجة “المقلوبة” هو أمر واحد: الغياب الكامل لمشروع عربي في المنطقة العربية سواءا على المستوى الرسمي (الانظمة) او مستوى التنظيمات الشعبية المختلفة (احزاب، نقابات، وغيرها). ففي منطقتنا العربية هناك ثلاث قوى رئيسية (الولايات المتحدة/اسرائيل، ايران، تركيا) ومشروعين (امريكي/صهيوني، وايراني)، وليس للعرب شيء سوى اسم الجغرافيا التي تتصارع عليها هذه القوى/المشاريع. وفي لعبة التاريخ، يستطيع من يملك المشروع ان يوظف الحدث، وليس العكس.

    خطوات باتجاه مشروع عربي في المنطقة العربية

    ان البقاء في حالة رد الفعل الى ما لا نهاية هو أمر خطير جدا؛ والمقاومة بدون وجود مشروع استراتيجي، تنجح في ابقاءنا وقضايانا احياء، ولكنها تبقينا نراوح مكاننا الى الابد في عالم يتغير بتسارع مذهل، وتمضي قواه المهيمنة في بسط نفوذها وتعزيز مصالحها على حساب الناس بدون اي اعتبار سوى لمعايير الربح والخسارة. المطلوب، اذا، ان نخرج بمشروعنا، مشروع الناس، في مواجهة المشروع الامريكي/الصهيوني، فنبقى احياء، ونتقدم، ويصبح نصر صريح كالذي احرزه حزب الله في المعركة، يملك عمقا سياسيا يجعله قادرا على حصد النتائج السياسية وفرض معادلاتها.

    وتاليا مجموعة من الافكار التي تخدم هذه السياقات:

    وحدة العمل الشعبي العربي افقيا كرافعة لتطور نوعي عمودي.

    حسم العدوان على لبنان نهاية “جامعة الدول العربية” لا كأحد الاشكال شبه الوحدوية فقط (فهذه انتهت من زمان)، بل كرس نهايتها كشكل براغماتي كرنفالي لا يعمل فيه شيء سوى اجتماعات وزراء الداخلية العرب. وأصبح هذا الاطار (كما الامم المتحدة) شكلا مزورا من اشكال الاجتماع “الشعبي” وظيفته تسهيل الهيمنة والعدوان(15).

    المطلوب هو اجتماع شعبي عربي حقيقي من خلال المجموعات الشعبية الناشطة، واعادة لحمة للبنى الشعبية ضمن اطر عمل وتنسيق ما فوق قطرية(16). وهذا يتطلب من قوى المعارضة الرسمية سحب الاعتراف بكل المبادرات وحملات العلاقات العامة التي تقوم بها السلطة لترويج القطرية كأفق نهائي للعمل السياسي المحلي واجبار قوى المعارضة عليها بالقانون. يقول الكاتب محمد خالد: “اذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالاجدر بنا ان نغير المدافعين، لا ان تغير القضية.”!(17)

    اعادة ترتيب البيت الداخلي قطريا وعربيا على قاعدة الاستقطاب لا قاعدة التفاهمات.

    اثبت العدوان الصهيوني على لبنان مرة أخرى استحالة وجود سلام وحق وعدل في المنطقة العربية والعالم، ووجود “اسرائيل” في ذات الوقت، فاما هذه أو تلك. واذا كان “اللبيب من الاشارة يفهم”، فان هذا “اللبيب” بعد ستة حروب وما بينهما من الانتهاكات المستمرة، يصبح جزءا من معسكر الاعداء ان هو أصر بعد كل هذه “الاشارات” على الاعتراف بشرعية وجود الكيان الصهيوني، وعلى اي اساس كان هذا الاعتراف سواءا قرار التقسيم لعام 1947، أو قرار 242، او “عملية السلام” ومنتجاتها من الاتفاقيات.

    وعليه يصبح الاجتماع السياسي الذي لم يحسم موقفه من هذه المسألة الاساسية اجتماعا عبثيا لا يملك رؤية علمية حول الصراع في المنطقة وآفاق هذا الصراع. ولعل النقاط الاثنتي عشر الواردة في وثيقة التحالف الشعبي العربي المقاوم (انظر الملحق بعد هذا المقال) تشكل مدخلا هاما للاسس التي قد يتم بناءا عليها اعادة الترتيب المقترحة.

    اعادة طرح “الدولة العلمانية” كأفضل خيار للمواجهة والتقدم.

    بكل اسف، نجح الاحتلال الامريكي في العراق بخلق حالة طائفية/اثنية تفتيتية على قاعدة سني-شيعي-كردي، وهو نموذج يراد تعميمه في بقية الاقليم (الموحد تحت الهيمنة الامريكية/الصهيونية، والمفكك على مستوى الكتل الاجتماعية كما شرحت سابقا).

    والسين

  12. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخى الكريم / سيد يوسف جزاك الله خيراً موضوع قمة فى الروعة .

    برمجة بعض العقول

    استطاع عدونا أن يبرمج عقول بعض أبناء أمتنا بفئات عريضة بحيث تتبنى قضايا حين تثيرها لا تخدم سوى الأجندة الصهيونية مع تقدير حسن النية لبعضهم وليس أدل على ذلك من الخلاف الحاد الذى أثير حول موقف الشيعة والخلاف مع أهل السنة وقد أحسن الغيورون العاقلون حين انضموا إلى المقاومة دون أن يثيروا ذلك الخلاف وقد كان يرجو كثير من أبناء أمتنا تأجيل تلك الاختلافات حتى حين لكن هذا الأمر وأشباهه يحتاج إلى وقفة لاحتمالية تكراره بصور مختلفة فى أزمات – محتملة – قادمة حيث ما تزال هذه العقول كما هى رغم فتاوى العلماء الثقات فى هذا الموضوع.

    للأسف هذا ما نجده يحدث تبى قضايا وموضوعات لا تخدم سوى الأجندة الصهيوأميريكة نسأل الله أن ينصرنا ويثبت أقدامنا ويلهمنا العمل بما هو صواب وبما يرضيه عنا اللهم آمييييييييين

    جزاك الله خيراً

  13. انتصار المقاومة في لبنان كيف يترجم؟

    راشد الغنوشي

    كثيرا ما كانت الحرب المحرك الأعظم للسياسة وللتاريخ عامة، من هنا جاء اهتمام الدول وحرصها على تعظيم قوتها الردعية وجاءت مكانة الجهاد وإعداد القوة في الإسلام للتحقق من قوة الردع “نصرت بالرعب”.

    في هذا السياق يمكن أن نفهم ما يجري على قدم وساق هذه الأيام -على أثر الحرب الصهيونية الأميركية على لبنان- من مخاض سياسي واصطراع، من أجل ترجمة نتائج الحرب سياسيا من طرف القوى السياسية الأساسية المؤثرة في الساحة، بعد أن فشل الطرف الذي شن الحرب وخسرها (إسرائيل وأميركا) ومن كان في تأييدهما، (قوى لبنانية، وأوروبية وعربية).

    فشل هذا الطرف إذن في تحقيق أهدافه المعلنة: العارضة، التي اتخذت ذريعة وهي استعادة الجنديين أم الحقيقية التي تم الاتفاق عليها في أعلى مستويات القيادة الأميركية الصهيونية (سيمور هرش. مجلة نيوركر 14-8-06) والمتمثلة في التدمير الكامل للقوة العسكرية التي يمثلها حزب الله باعتبارها شوكة تقض المضجع الأميركي الصهيوني، تحد من عربدة قوتهما وأطماعهما في فرض السيطرة الكاملة على المنطقة، بما يخضع سوريا وإيران أو يدمرهما ويفرض حل القضية الفلسطينية وفق الإرادة الصهيونية ويكبح جماح الحركة الإسلامية باعتبارها مدا “أصوليا متطرفا” يهدد المصالح الصهيونية الأميركية والتابعين لهما.

    بينما احتفل بالنصر في هذه الحرب حزب الله وجملة قوى المقاومة في المنطقة: حركات ودول (حزب الله وحماس، والجهاد، وإيران، وسوريا، والحركة الإسلامية والقومية واليسار الوطني)، كلهم اعتبروا أنفسهم منتصرين بمجرد فشل المعتدي في تحقيق أهدافه بعد حرب الـ33 يوما المجيدة.

    وتكفي إطلالة واحدة على مرآة الرأي العام في الكيان الصهيوني -أعني الصحافة- لمشاهدة آثار الهزيمة المدوية التي لحقت بالكيان الصهيوني: عزل قادة عسكريين، ولجان تحقيق، وتقاذف للمسؤولية، لأول مرة نشعر أنهم يألمون كما نألم، لكننا نرجو ما لا يرجون.

    ألا يكفي دليلا قاطعا على تلك الهزيمة أن سلاح حزب الله المستهدف ظل يصب حممه على الكيان المغتصب لآخر لحظة في الحرب، وظل أبطاله أبدا في الحرب مرابطين في مواقعهم في القرى الحدودية، وأن الجنديين الأسيرين لم يظهر لهما أثر.

    وانحنت إسرائيل أخيرا راغمة لإرادة حزب الله المعلنة منذ اليوم الأول أن التفاوض والتبادل هما الطريق الوحيد لتخليصهما، ألم يبلغ الكمد بالذئب الجريح حد الإعلان أن هذه الحرب ليست السادسة وإنما الأولى؟

    سكنت إلى حين الصواريخ والطائرات والبوارج تاركة المجال للصراع السياسي المحتدم لترجمة نتائج هذه الحرب سياسيا، وهو ما يجري اليوم على قدم وساق على الصعيد المحلي اللبناني وعلى صعيد الإقليم وعلى الساحة العالمية، في تصميم على أن يوظف العدو تحالفاته الدولية ونقاط الضعف في المنطقة للنكوص عن دفع ثمن الخسارة سياسيا أو تقليل الثمن.

    بل ربما يوظفها ليجني على طاولة التفاوض ما فشل في تحقيقه في الميدان، لاسيما وأن المعركة هنا تجري في قلب العالم، فكل صراع فيه سرعان ما يطفو على السطح ويحتل الصدارة، فإلى أين يتجه الصراع على غنائم الحرب؟

    1- على الصعيد اللبناني: حتى قبل أن تجف دماء الضحايا وتلتقط بقية الأشلاء لتوارى في مثواها، وقبل أن يظفر آلاف المشردين بمأوى يحميهم من شتاء على الأبواب، أخذ التماسك حول حزب الله الذي فرضته آلة الحرب الصهيونية المدمرة على كل القوى المناوئة لحزب الله ولسوريا، أخذ ينحل إلى عناصره الأصلية، لدرجة انبعاث خطاب بشير جميل من قبره يعلن أنها ليست حرب لبنان ولا انتصار لبنان، بل حرب إيران وانتصار إيران.

    مقابل ذلك لم يملك حزب الله الاستمرار في كظم غيظه مما تعرض له من كيد وخذلان، بينما هو عائد إلى قومه بأعظم تاج، لم تحلم بمثله دول وشعوب مركزية في المنطقة: تمريغ أنف الصهيوني -الذي أذل جيوش المنطقة- في الأوحال.

    ما يبدو هو أن هدم البنيان الذي حصل في لبنان سيستقر بعده بنيان سياسي أخذت أساسيات فيه تتداعى، وذلك رغم الجهود المشرفة التي قام بها الثنائي السنيورة-بري في إنقاذ ماء الوجه اللبناني الرسمي خلال الحرب.

    ولكن ذلك لم يخف ما يبيت لحزب الله من استغلال محلي للمخطط الدولي في تحييده وتجريده من سلاحه وإبعاده على الأقل نهائيا عن حدود الكيان الصهيوني، تأمينا لحدود هذا الأخير من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الله من فعل ردا على عدوان صهيوني على لبنان أو فلسطين أو سوريا أو إيران.

    ولكن الزلزال الذي تم في لبنان من وراء انتصار حزب الله منتظر ولو بعد حين أن يقلب الموازين في جملة المنطقة فضلا عن الداخل اللبناني إقامة لرافعة سياسية تشد أزر المقاومة، قد تتشكل من قوى مسيحية (التيار الوطني الحر: ميشيل عون) وأخرى إسلامية شيعية (حزب الله وأمل)، وسنية (الجماعة الإسلامية، سليم الحص..) تترجم الانتصار العسكري سياسيا.

    2- على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي: منذ الأيام الأولى من توقف الحرب بدأت أصوات في الدولة العبرية تتناغم معها أصوات في البيت الأبيض وفي أوروبا وفي العالم العربي أي المعسكر المهزوم:

    أ- توفيرا لفترة راحة واستشفاء للذئب الإسرائيلي الجريح حتى يعيد ترتيب أوضاعه، وفي هذا السياق تزحف حشود عسكرية على لبنان لمنع حزب الله من تعويض سلاحه ولحماية حدود الكيان الصهيوني ولتحقيق فصل نهائي بين لبنان وفلسطين المحتلة أي بين المقاومة في البلدين.

    ب- تفكيكا للجبهة الفلسطينية خشية أن تتماسك حول المقاومة. ومن هنا جاء تراجع فتح عن خيار حكومة وطنية وجاء الاحتفاء برئيس السلطة الفلسطينية من قبل سيد البيت الأبيض والثناء عليه بأنه رجل السلام، كما جاء قبول مؤسسة الأمن الدولي بالاجتماع تباحثا حول مشروع للسلام في المنطقة منعا للقوى “المتطرفة” من أن تفيد من انتصار حزب الله في الانتصار للمقاومة خيارا وحيدا في مواجهة الكيان الصهيوني.. المواجهة التي قد تغري نهاية بمواجهة الأنظمة المتحالفة معه سرا أو جهرا.

    ج- لقد فتحت صواريخ حزب الله التي ضربت لأول مرة العمق الإسرائيلي بشدة حتى فرضت حصارا على ثلث الكيان المحتل ثغرة هائلة هزت قوة الردع الإسرائيلي، بما كشف فجاجة إستراتيجية حماية الكيان عبر بناء الجدران العازلة والانسحاب المنفرد والانطواء، بزعم انعدام الشريك الفلسطيني.

    ما جرى في الجنوب اللبناني يمكن أن يتكرر في غزة وفي الضفة، بما فرض مجددا الالتفات الإسرائيلي والأميركي إلى الشريك الفلسطيني الذي طالما كانوا فيه من الزاهدين.

    اليوم هناك سعي من كل الأطراف الخاسرة في الحرب (آنفة الذكر) إلى تحريك عملية السلام وإعادة الاعتبار إلى أبي مازن وفتح وإكسابهما مصداقية عبر الإذن للخليج بضخ الأموال للخروج بالفلسطينيين من الضائقة -إساغة لمر السلام عبر حلوان الرواتب- بما يفرض على حماس ما كانت ترفضه دائما، اعترافا صريحا بإسرائيل، من خلال قبولها بحكومة وحدة وطنية تتسلم فيها فتح المهام السيادية مثل التفاوض أو الإطاحة بها.

    النظام العربي المتأمرك بقيادة مصر وحلفائها متهالك على هذا السلام ومستعد لتمويله، للحد من انعكاسات الزلزال اللبناني الذي ضرب المنطقة في وقت يتداعى فيه بنيانها للسقوط.

    3- كان مفهوما أن تحتفي سوريا وإيران بالنصر، إذ تنفست الأولى الصعداء وقد مرت عليها سنة تزيد من الاختناق العصيب.

    لقد تأكدت أنها مستهدفة وأن خيار مقاومة المشروع الأميركي في المنطقة أقل كلفة من مسايرته، فأقدمت على فك تحالفاتها الإقليمية لصالح الرهان على قوى المقاومة والممانعة.

    وكان يمكن لهذا الخيار الذي أثبت نجاحه أن يمثل منعطفا كبيرا لو واكبته إجراءات تصالحية على الصعيد الداخلي، تعزز الصمود ولا تضيره، فلم التوجس من الإصلاح بعد هذا النصر؟

    4- أما إيران فقد جاءت نتائج الحرب شهادة أخرى تعزز دورها الإقليمي المتصاعد وتضع في يدها مزيدا من الأسلحة في صراعها مع الولايات المتحدة وحليفاتها من أجل تجريدها مما هي مصممة عليه من حق امتلاك التقنية النووية دفاعا عن أمنها وتعزيزا لدورها قوة إقليمية عظمى، تمنع الكيان الصهيوني من الانفراد بهذه الصفة.

    كان من الطبيعي بعد هذا الانتصار أن يتصلب الموقف الإيراني دفاعا عن حقه وأن تتخلخل الجبهة المقابلة، بما فجر الغضب الأميركي للحد الذي أدى بأميركا للتهديد بفرض حصار منفرد على إيران لحملها على التنازل عن مشروعها النووي سلما أو حربا.

    وكان ذلك هدفا صهيونيا أميركيا أوروبيا وعربيا من أهداف الحرب على حزب الله لتفكيك حلقة مهمة مما سمي بالهلال الشيعي، إخفاء لوجهه الآخر: هلال المقاومة، الذي كان على العرب أن لا يتجاهلوه ولا يتآمروا عليه، بل يتحالفوا معه لإيجاد توازن في المنطقة مع الكيان الصهيوني المدعوم بلا حدود من الدولة الأعظم، بل هو ذراعها الطويلة الباطشة، وذلك بدل النظر إليه على أنه تهديد وخطر (أنظر سيد سعيد. الحياة 21-9-2006).

    5- تشجيع عوامل التفكك في المنطقة تخذيلا لقوى المقاومة بتأجيج نيران الفتنة الطائفية سنية شيعية، عربية كردية، مسيحية إسلامية. وما يحصل في العراق نموذج، وربما يكون تصريح بابا الفاتيكان المستفز مندرجا في هذا السياق.

    6- ما الذي يجب على قوى المقاومة والممانعة فعله إزاء بدايات انطلاق هجمة سياسية أميركية صهيونية بدأت خيوطها تتجمع إثر تعثر وتدهور الهجوم العسكري وتراكم إخفاقاته: لبنان، والعراق وأفغانستان وفلسطين والصومال؟

    ‌أ- دعم جبهة المقاومة ومنع العدو من استغلال عوامل النزاع الثانوية -طائفية كانت أم عرقية أم سياسية- في تفتيت قوى المقاومة والممانعة أو على الأقل تأجيل تفجير هذه النزاعات.

    ب‌- يقتضي ذلك مبادرات لتبريد النيران المتأججة في معسكر المقاومة، على صعيد العراق وعلى كل الصعد.

    ج- ‌واضح اشتداد الصراع على الساحة العراقية بين القوى المرتبطة بالخيار الأميركي -ولو موضوعيا- التي تعطي الأولوية للحرب مع الداخل -وهي في المحصلة قوى تخريب- وبين القوى المقاومة للاحتلال.

    وواضح أيضا بداية فرز جديد على الساحة دفعت جماعة الصدر إلى الاشتباك مع الاحتلال، إذ قد لا تكون إيران بعيدة عن ذلك، بما يؤكد أن إيران متعددة ومتداخلة الأبعاد: بعد طائفي وآخر إسلامي وثالث قومي ورابع -وهو الأهم- أنها دولة تتصارع فيها قوى ومصالح كثيرة وتسعى لتأمين نفسها.

    إن الدور الإيراني -في نظر الكثير من جماهير السنة- بقدر ما هو إسلامي في فلسطين ولبنان ويصب في خانة مصلحة الأمة ووحدتها وصمودها في فلسطين ولبنان، بقدر ما اتسم بالطائفية والسلب في العراق ويغذي الطائفية والتمزق.

    ولأن السياسة في إيران كما هي في كل مكان متحركة لا يبعد أن تكون بصدد الإقدام على تعديلات مهمة في اتجاه المراجعة والتصحيح، إدراكا أن جماهير السنة التي تخطت البعد الطائفي ووقفت بلا حدود مع حزب الله لن تجد عنها إيران بديلا في مواجهة الأخطار التي تتربص بها.

    غير أن تلك الجماهير تشعر بخيبة أمل مريرة من السياسات الإيرانية في العراق، كاستضعاف السنة وتشجيع عوامل التفكك والفدراليات، مما سيكون نموذجا لتفكيك المنطقة برمتها، وقد لا تنجو منه إيران ذاتها.

    د- في الأخير أمام الحركة الإسلامية وقوى المقاومة في المنطقة وفي العالم فرصة كبيرة لتوظيف النصر المبين الذي تحقق لمصلحة الأمة ولقوى التحرر إذا هي أحسنت رؤية الأمور على حقيقتها وأقدمت بشجاعة على القيام بما يجب القيام به من أجل ذلك.

    أما إذا تركت الأعداء يمضون إلى مخططاتهم بحرية فنجحوا في تفجير عوامل التفكك في المنطقة وانفردوا بهذا واحتووا ذاك ودمروا الثالث فستعود بنا الذاكرة إلى النتائج الكارثية لحرب رمضان رغم النصر.

    إن المنطقة تستقبل مرحلة غاية في الخطورة تفرض أعلى درجات الانتباه والتضامن والعقلانية والتوكل. “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

  14. تقارير من صحافة العدو

    الشهادة التي لن تُسمع

    المصدر : مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية

    نقلا عن هآرتس

    التاريخ : 1/2/2007

    بقلم : الوف بن

    “حضرة القاضي فينوغراد، اعضاء اللجنة، صباح الخير. إسمي اهود اولمرت، هويتي رقم 00991750، من القدس، وأنا رئيس الوزراء. أنا على قناعة أنني كنت محقا في قرار الرد بحدة على اختطاف الجنود عند الحدود اللبنانية في الثاني عشر من تموز. في الظروف التي كانت حينئذ، بعد اسبوعين ونصف من اختطاف جلعاد شليط في غزة، لم يكن أمامي مفر. الاحجام عن الرد على هجمة حزب الله داخل الحدود في وضح النهار كان سيُفسر على أنه ضعف خطير ويؤدي الى إقالتي الفورية. حتى يوسي بيلين كان قد دعا الى الرد على العملية.

    “ولكنني لم آتي الى هنا اليوم حتى أمدح نفسي، وانما من اجل الاعتراف بأربعة أخطاء قد ارتكبتها خلال الحرب. الخطأ الاول كان الغرور. احترمت زعامة اريك شارون إلا أنني كنت مدركا لنقاط ضعفه ايضا. تصريحاته العنصرية حول العرب، اعتماده على الأوراق التي يعطيها له مساعدوه، التسويف في القرارات. اعتقدت أنني أنا الذي أقرر بسرعة، وأتحدث بطلاقة، قادر على التحكم بالجيش بيد واحدة مثل اريك، ولكنني اعتقدت أن هذا الأمر يتطلب الخبرة والتجربة. لذلك عينت عمير بيرتس وزيرا للدفاع. عرفت انه لا يعرف شيئا حول ذلك، ولكنني وثقت بأنه سيكون أكثر ضررا في المالية. لو ذهب الى المالية لخرج علينا كل يوم بتصريحات تؤدي الى انهيار البورصة. لم أدرك حينئذ أنني قد فرّط بجهاز الدفاع وأودعته بيد تفتقر للمسؤولية، وأن هناك حاجة الى شخص مجرب يتابع ما يحدث في الجيش عن كثب.

    “الخطأ الثاني الذي ارتكبته كان التباطؤ. وصلتني تقارير سلاح الجو حول تدمير صواريخ حزب الله بعيدة المدى خلال 34 دقيقة، وحول تدمير الضاحية الجنوبية في بيروت. شعرت للحظة أنني مثل تشرتشل الذي جلبوا له صور عمليات القصف في هامبورغ ودريزدن. أنا اهود من بنيامينا. المراسل العسكري لصحيفة “بمحنيه” أُسيطر على أجواء الشرق الاوسط! بهذه الروحية من الحماسة صرحت بأننا سنقاتل حتى اعادة الجنود المخطوفين ورفضت سماع كلمة حول وقف اطلاق النار. لم أدرك حينئذ أنني أنجر الى حرب استنزاف وأن الجمهور سيُدير لي ظهره.

    “الخطأ الثالث كان الإنجرار. سمعت بتأثر وانفعال أن كل العالم يؤيدنا بما فيهم السعوديون. كل من سبقوني تعرضوا للتنديد في الامم المتحدة، أما أنا فيُثنون علي! طلبت من الامريكيين المزيد والمزيد من الوقت، ولم أفهم أنه لا توجد وجبات مجانية في العلاقات الدولية، ومن يؤيدنا انما يحثنا في الواقع على الهبوط فوق جدران مخابيء حسن نصر الله. اليوم أنا أدرك أن الاصدقاء الحقيقيين كانوا سيسعون لايقاف الحرب بعد عدة ايام بدلا من تركنا نتورط.

    “الخطأ الرابع كان أنني وقعت في إغراء العملية البرية رغم أنني اتفقت مع تحفظ رئيس هيئة الاركان في دخيلتي من مثل هذه العملية. وقت ثمين ضاع الى أن اقتنعت باستدعاء الاحتياط وإرساله الى الجبهة. وكان أن ضاعت فرصة الحسم البري من أيدينا. قراري بارسال الفرق العسكرية الى الليطاني في آخر الحرب لم يغير من الأمر شيئا. بعد حين أصبح واضحا لي أنني قد دخلت في حالة ضغط في اللحظة الأخيرة بسبب عدة عبارات لا أهمية لها في قرار الامم المتحدة، وبسبب مطالب بيرتس والجنرالات الصاخبة بالدخول الى المنطقة، الأمر الذي أظهرني كخرقة وكشخص متردد.

    “وأخيرا، أود أن أقول أن القرار الأهم الذي اتخذته كان إخراج الجيش من لبنان فورا في اللحظة التي دخلت فيها قوات الطوارىء الدولية، وعدم البقاء هناك في منطقة أمنية الى أن يعود المخطوفين والى أن يتم نزع سلاح حزب الله أو الى أن يأتي المُخلِّص. وبذلك يتوجب الاعتراف بنزاهة أنني قد نجحت أكثر من اريك شارون في 1982″.

  15. الحرب السادسة دروس وعبر

    حسن مدنى

    أظن أنه من الممكن اليوم أن نبدأ في استخلاص بعض الدروس من هذه الحرب التي دارت رحاها في لبنان وفلسطين لمدة 33 يوما. انتهت بنصر عزيز للمقاومة الإسلامية في لبنان، وهو نصر للبنان، والعرب، والمسلمين. وهزيمة بكل المعاني لأعداء هذه الأمة.

    الشعوب مستعدة للتضحية:

    الشعوب العربية والإسلامية مستعدة للتضحية إذا شعرت أنها تضحي من أجل قضية عادلة وليس من أجل مصالح فردية رخيصة، فنحن دائما مستعدون للتضحية بأموالنا وأبنائنا وأنفسنا، من أجل أوطاننا، أو ديننا. وهذا ما عبر عنه شعب لبنان، عندما قالوا نحن فدى السيد، وعندما صاحت المرأة اللبنانية، ماذا نفعل بالجسر إذا لم نتمكن من عبوره بكرامة.

    أو كما قال الشاعر يوما

    فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى

    إمكانية الحل الإسلامي:

    أثبت أداء حزب الله أثناء حرب تحرير الجنوب، أن الحل الإسلامي ممكن، بل ومجدي وأنفع لنا من غيره. فالدولة اللبنانية ليس لها وجود حقيقي في الجنوب، وقد كان حزب الله يشكل دولة شبه مستقلة في جنوب لبنان، وله من المؤسسات التابعة له ما يغطي الكثير من جوانب الحياة. فلديه الجناح العسكري، ومنظمة البناء لإعادة إعمار المنازل التي يدمرها العدو، ومنظمات لتأهيل المعاقين، وكفالة الأيتام أبناء الشهداء، ورعاية الأرامل وتشغيلهم، وغير ذلك، فقدم الحزب لنا منظومة كاملة من الجهد الحربي، والمجتمع المدني الداعم له. لم يكن غريبا أن يبدأ حزب الله بعد الحرب مباشرة في إعادة إعمار المنازل المتضررة من الحرب، وإسكان اللاجئين، (وإن كنت فوجئت من أنه بدأ ذلك في اليوم التالي مباشرة لوقف القتال). فهو حزب منظم يعد للحرب والسلام. وينطلق من مرجعية إسلامية. لا يختلف في ذلك سني عن شيعي. وإذا كان حزب الله يستطيع فعل ذلك فلا شك أن الدول الإسلامية بما لها من إمكانات بشرية ومالية وتنظيمية، تستطيع ذلك إذا توفرت النوايا الصادقة.

    إمكانية الصمود والتحدي:

    كذلك أسقطت المقاومة الإسلامية نظرية الهزيمة المقدرة، وعبادة البيت الأبيض. منذ زمن وكلما أحدا إننا كأمة يجب علينا أن نكون ونكون، وأن نفعل وأن نفعل. أسمع نفس الرد “أمريكا لن تقبل بذلك” وكنت أقول أمريكا ليست هي الله. ليس علي السعي لرضا أمريكا، وإنما علي السعي لرض الله وحده. وهو يحميني من أمريكا وغيرها. وقد أثبت حزب الله أن التصدي لمخططات العدو الإسرائيلي ومن ورائه أمريكا ممكن بلا ريب. بشرط توفر القيادة الحكيمة المخلصة. والأخذ بأسباب النصر.

    القيادة والزعامة:

    ظهر في تاريخنا المعاصر عدد من القيادات، والزعامات، ولكني أحسب أن سماحة السيد حسن نصر الله، قد فاقها جميعا، فهو رجل إذا قال فعل. لم يزعم أن بوسعه شيء ليس في مقدوره، وعد بتحرير الجنوب اللبناني، وفعل، وعد بإطلاق الأسرى أول مرة وفعل، ووعد بأسر المزيد وفعل. وعد أن يضرب حيفا وفعل. لم يعد إلا وفعل. ونحن نفتقد رجالا مثله وعدوا كثيرا ولم نر منهم شيئا. كما أن السيد حسن عندما يتكلم عن التضحية، فهو قد قدم ابنه شهيدا في ساحة القتال، وابنه الثاني مقاتل ضمن صفوف المقاتلين في المقاومة. وقد قصف منزل السيد، ومنزل ابنه. وهدم مقر الأمانة العامة للحزب (مكتب السيد) وكان هو ورجاله من أوائل المهجرين، وأول المطلوبين للعدو. فعندما ينادي الناس للصمود والتحمل والتضحية، يقبلون منه. فهو يعلم ما يطلبه من الناس, وقد سبقهم به. ليست الزعامة أن يكون المرء خطيبا مفوها يجيد إلقاء الخطب واستخدام الشعارات، وإنما يكفي أن يعد فيفعل، وأن يبدأ بنفسه فيما يدعو إليه الناس. وقد قبل كل أهل البوسنة الحصار عندما رأوا الرئيس علي عزت بجوفيتش “رحمه الله” مازال يقيم بنفس البيت الذي أقام فيه طول عمره برغم الحصار والقصف على سراييفو.

    تظل الشعوب عزيزة منيعة مادام قائدها معها يتحمل ما تتحمل، أما إذا رأت القائد بعيدا لا يشعر بما تشعر به، ولا يعاني ما تعاني، ولا يكابد من الألم ما تكابد، فإنها تفقد ثقتها به. وبما ينادي به من شعارات. وقد علمنا رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ذلك من حفر الخنق وبناء المسجد، وغير ذلك من المواطن، حيث كان يبدأ العمل مع أصحابه ولا يميز نفسه عنهم، فكانوا يقدمون كل ما لديهم. كذا الزعيم في كل زمن وفي كل أمة.

    العدو قابل للهزيمة:

    حاول الإعلام الغربي، وإعلام العدو، وإعلام المارينز العرب دائما إقناع شعوبنا بأن النصر على العدو الإسرائيلي مستحيل. وأن التصدي لمخططات أمريكا في العالم غير مجدي. وأن قدرنا هو طاعة أمريكا والقبول بما تريد، وما يريد العدو الإسرائيلي منا. وقد تمكنت هذه الخديعة من كثير من العرب والمسلمين قادة وشعوبا. لدرجة أن الكثيرين كانوا يعدون أيام الحرب باعتبار أن الهزيمة قادمة للمقاومة بلا شك وأن السؤال هو متى تنهزم؟ وليس هل تنتصر؟. بل إن بعض الكتاب ذي الأسماء العربية، لا زالوا لا يصدقون أن المقاومة قد انتصرت فعلا على العدو الذي زعم أنه لا يقهر. ولكنه انهزم. انكسرت الأسطورة التي زرعوها على مدى أكثر من خمسين عاما. وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تزايد المد الشعبي في اتجاه الممانعة لمخططات العدو. سواء بالوسائل العسكرية لمن يملكها أو الوسائل السلمية من مقاطعة اقتصادية أو ثقافية أو سياسية. لست أنادي بأن يحمل كل واحد منا السلاح اليوم. فهذا غير ممكن. ولكن ليكن كل منا حارسا على ثغر هو مؤتمن عليه.

  16. بيان حول سرقة علمية

    جامعيون يقترفون القرصنة

    د.إدريس لكريني

    وأنا أتصفح العدد 349 بتاريخ شباط 2007، من المجلة الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي “المناضل” السورية؛ فوجئت بوجود دراسة معنونة ب: رؤية حول الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي لصاحبها “د.محمد الجبر” الأستاذ بجامعة دمشق بسوريا. وهي دراسة لم يخجل فيها صاحبها من ممارسة أقصى مظاهر القرصنة والسرقة العلميين، حيث قام بنقلها كاملة وبمراجعها المعتمدة بشكل حرفي مهين من إحدى دراساتي المعنونة ب: “الديموقراطية الأمريكية لمكافحة الإرهاب” المنشورة بمجلة شؤون عربية التي تصدرها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمصر في عددها 125 ربيع 2006. الصفحة 166 وما بعدها ؛ وذلك دون الإشارة إلى هذا المصدر. ويمكنكم المقارنة بين الدراستين المرفقتين للوقوف على حقيقة هذا السلوك الحقير.يمكن الاطلاع على الدراسة المنقولة في الموقع :

    http://www.baath-party.org/monadel/no-349/almonadil349_5.htm

    وطبعا سأظل محتفظا بحقي في متابعة هذا “الدكتور” قضائيا وإعلاميا وفي أوساط المثقفين والجامعيين السوريين والعرب.وللإشارة فقد بعثت برسالة في هذا الموضوع إلى الجامعة السورية وأخرى لإدارة مجلة المناضل التي نشرت الدراسة المنقولة وأخرى لإدارة تحرير مجلة شؤون عربية التي نشرت الدراسة الأصلية وتملكها. حتى تنكشف حقيقة ما اقترفه من جرم في حق البحث العلمي، ويصبح مثالا لرواد القرصنة؛ وبخاصة وأن هذه الممارسة الشنيعة تتناقض مع أبسط المهام التي تفرضها الرسالة النبيلة للأستاذ والباحث، فهذا الأخير مطالب بمنح طلبته مثالا وقدوة فيما يتعلق بشروط البحث العلمي والأمانة العلمية.وفي الحقيقة فقد صدمت بوجود عناصر من هذا النوع في أوساط الجامعة السورية والمعروفة بجديتها ومصداقيتها عربيا، وزاد من صدمتي أيضا عندما نشرت له الدراسة المسروقة مجلة محترمة يصدرها حزب عربي عريق، والتي كان من المفروض أن تتريث قبل الإقدام على نشر السرقات.والحقيقة أن مواجهة هذه الأشكال والسلوكات اللامسؤولة التي تسيء للباحثين وللفكر عموما، هي مسؤولية يتحملها الجميع وتتطلب التشهير الإعلامي المكثف عبر جميع السبل لفضح أولئك المندسين في حقل نبيل. وللإشارة فقد سبق للباحث إدريس لكريني أن تعرض لسرقة علمية أخرى قام بها المدعو د. محمد طي من الجامعة اللبنانية؛ عندما قام بنقل فقرات كاملة من دراسة الباحث: مكافحة الإرهاب الدولي بين تحديات المخاطر الجماعية وواقع المقاربات الانفرادية، المنشورة في مجلة المستقبل العربي، عدد بتاريخ281 بتاريخ 7/2002 في مقالته المنقولة: غياب التعريب مدخل إلى التحريف والتي نشرتها مجلة الوفاق العربي، لندن في عددها 67 لشهر يناير 2005

    مواقع ومنتديات عربية نشرت البيان:

    منتديات حيارى

    http://www.hyara.com/vb/showthread.php?p=10054#post10054

    منتدى آفاق أدبية

    http://www.afaqadbiya.com/vb/showthread.php?p=2732#post2732

    موقع الحوار المتمدن

    http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=94813

    http://www.rezgar.com/news/s.news.asp?nid=116782

    الحوار المفتوح

    http://www.open-dialog.net/defaultAR3-24-4.htm

    موقع أحرار سوريا - تجمع الأحرار الوطني الديمقراطي

    http://www.ahrarsyria.com/4-25-2007/new_4-25-2.htm

    مجلة الفقه والقانون

    http://www.alex4all.com/stor/articl.php?name=sldg55&id=2178



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول