مصر يحكمها موتى وأشباح

كتبهاsayed yusuf ، في 3 يناير 2007 الساعة: 00:54 ص

مصر يحكمها موتى وأشباح

( حين يحكم الأموات والأشباح بلدا كبيرا كمصر فإن القلق يكتنف مستقبلها فهؤلاء أموات وأشباح لا يعلمون كيف/ ومن يحكمون؟)

سيد يوسف

تمهيد

من يحكم مصر الآن 2006؟

لم أكن لأفاجأ حين علمت أن هذا التساؤل – وأشباهه-  قد شغل كثيرين وأن كلا قد حاول أن يتناول الموضوع من زاوية ما ذلك أن الإحساس بالمشكلة طال الجميع، ولك الله يا مصر.

من يحكم مصر؟

لقد استبان لكل ذى عقل أن مصر لا يحكمها من كان يحكمها مذ خمس سنوات خلت مثلا، ليس هذا فحسب بل لم يعد متواجدا على الساحة إلا فى مناسبات تتطلب ظهوره خشية القيل والقال .

ملف الداخل وكل إلى النجل، وملف الخارج وكل للمخابرات، ولا مانع من ظهور الحاكم كل حين لتبيان أنه ما زال يحكم، لكن هذه الأوضاع لا يمكن أن تستمر هكذا دون تساؤلات.

من يحكم مصر؟ أين مؤسسات الدولة؟ كيف تنزوى مؤسسات سيادية( كالجيش والمخابرات والقضاء )  لتحل محلها مؤسسات أمنية- شديدة البطش والغباء - أضاعت مصر وجمدت الحياة السياسية والاجتماعية وكانت سببا فى تفشى ظاهرة البلطجة وانتشار العنف فى قطاعات كثيرة  لم تكن موجودة هكذا من قبل ؟

قراءة فى المشهد السياسى الحالى

إن المتأمل لواقع الحال فى مصر فى السنوات الأخيرة- وتحديدا بعد بروز نجل الرئيس بقوة-  بعد انتخابات 2005 يلاحظ  ما يلى :

* غياب دور وزارة الخارجية وإحالة ذلك الدور إلى رئيس جهاز الخابرات حتى بات منصب وزير الخارجية وكأنه شاغر.

* بروز مجموعة رجال الأعمال بصورة متوحشة وانتقالهم بالزواج التقليدى من السياسة من المصانع إلى مراكز اتخاذ القرار، وعلاقات شديدة الانتماء بالمصالح الغربية ( بعضهم لهم جنسيات أخرى مع الجنسية المصرية ويتقلدون مناصب وزراية ).

* النظام الحاكم بالغ جدا فى فزاعة الإخوان المسلمين وكأنه يخلق له عدوا يطلب به مساندة الخارج وبعض الخائفين فى الداخل.

* انتقال دائرة اتخاذ القرارات الإستراتيجية والقومية من الرئاسة والجهات السيادية إلى لجنة فرعية بالحزب الوطنى تسمى لجنة السياسات ذلك أن الذى يتولى شأنها- بالتعيين لا بالكفاءة - هو نجل الرئيس مبارك، وليس أدل على ذلك من التعديلات الدستورية الأخيرة ( 34 مادة دستورية يطالها التعديل تم انتقاؤها فى مطبخ لجنة السياسات).

* شبشبة ( نحت من كلمة شباب) مراكز الإعلام والصحف المسماة بالقومية وبعض الوزراء والمحافظين وجلهم من المحسوبين على لجنة السياسات التى يتولى شئونها شاب هو نجل الرئيس مبارك.

* تسريب معلومات وبيانات من شأنها زيادة الإحباط العام من ذلك تسريب نبأ الزيارة السرية لنجل الرئيس لأمريكا والتى يرى كاتب هذه السطور أنها كانت تهدف إلى توصيل رسالة للشعب المصرى بأنه لا أمل لكم فى مقاومة التوريث شأنها شأن تصريح منسوب لرئيس الجمهورية مطالبته الرئيس بوتين بالبقاء لأكثر من فترتين فى حكم روسيا .

* بروز مجموعة من الجرائم التى توحى بأن شعار النظام الحاكم هو البلطجة من خلال سحل المعارضين، وإهانة القضاة، وتلفيق التهم للأبرياء كما فى حادثة بنى مزار وموقف النظام من الدكتور حسن الحيوان رغم تبرئة القضاء لهما، وكأنه يريد أن يقول للرأى العام – حتى-  القضاء لو أنصفكم فلن تفلتوا من قبضة الأمن أو بمعنى أدق عودة شريعة الغاب، إضافة إلى استخدام البلطجة بمعناها المباشر كما حدث يوم الاستفتاء الأسود وكما حدث  فى الانتخابات التشريعية 2005 وكما حدث فى جامعة عين شمس 2006 .

* عودة حكم البوليس السياسى تحت مسمى أمن الدولة حيث تعذيب المواطنين فى مقار صناعة الإرهاب والتى تسمى - زورا - المعتقلات والسجون، وحيث وضع العصى في أدبار بعض المعتقلين وإهانة بعضهم وتصوير ذلك ونقله للرأي العام لزيادة الإحباط، وحيث تزوير الانتخابات، وسحل المتظاهرين والقضاة، وحيث هتك عرض الصحفيات وغيرهن يوم الاستفتاء الأسود وغيره، والقائمة ها هنا طويلة ولكن أسوأها ما تناقله بعض الناس- ولا توثيق لذلك-  بوجود عسكر بلباس مدنية خلف مصفحات الأمن المركزى لزوم الطوارئ!

* تدهور حاد فى قطاعات عريضة من المجتمع وفى مؤسساته حيث مشروع تفتيت مصر يسير على قدم وساق، وحيث تدهور البنية الصحية للمواطنين بفعل السرطانات ومياه الشرب الملوثة، وحيث فساد الحياة الحزبية، وحيث الفقر وما ينتجه من بطالة وعنوسة وجريمة و تشرد، وفى هذا المجال وحده تشير تقديرات لمنظمة الصحة العالمية- وفقا لما نشره الدكتور علي السلمي - أن أطفال الشوارع في مصر يزيدون على مليون طفل مشرد يجوبون الشوارع نهاراً للسرقة أو الشحاذة، وفي الليل ينامون في الخرابات والمباني المهدمة أو على الأرصفة فيما تقدرها مصادر اجتماعية أخرى بما بين 900 ألف ومليون ونصف طفل، كما تظهر الأرقام الرسمية أن حوالي 2.7 مليون طفل يعملون في مصر أي حوالي 10 في المائة من السكان دون سن 14 عاما، وتشير دراسات اجتماعية إلى أن قسما كبيرا من هؤلاء الأطفال تسعى عائلاتهم لإخراجهم من التعليم بسبب الفقر وتشغيلهم وهم أطفال أو أنهم يهربون نتيجة خلافات عائلية.

* وبلغ الفقر والحياة الاقتصادية مبلغا يجب التوقف عنده لتحليل أسبابه وتوصيف علاجه لا سيما وأن النظرة التحليلة القريبة تؤكد أن سبب الفقر هو الفساد، واختيار الأسوأ فى المكان المهم ووفقا للغة الأرقام فإنها تشير إلى أن عدد المصريين الذين يعيشون في فقر مدقع بلغت 32 % وتصل في الريف إلي 52 % ، ووفقا لدراسات البنك الدولي فإن 7،61 % من المواطنين يعيشون عند خط الفقر القومي الأدنى (ما يعادل 1 دولار أمريكي في اليوم) و أن 42 % من المصريين يعيشون عند خط الفقر القومى الأعلى (دولاران يوميا).

هذى المفردات تقودنا إلى  عدة استنتاجات نذكر منها

* شعور النظام الحاكم بأنه ملفوظ ومكروه، وكراهية الناس فى بلادى لنجل الرئيس أشد، مما يعوق مخططهم للافتئات على حق الناس فى تقرير مصيرهم واختيار من يمثلهم بحرية ومن ثم لجأ النظام لتنظيم سرى يدعى لجنة السياسات ليتدبر أمر التوريث عبر تنازلات خارجية ورشاوى داخلية قدر ما يستطيع لا سيما وأن هناك إجماعا شعبيا رافضا لمبدأ التوريث، وإجماعا شعبيا أيضا فى كراهية الوالد والولد، وقد عزز هذا حراك سياسى بسيط لا يطمئن إليه النظام الحاكم رغم قمعه.

* شعور الناس فى بلادى- يُستثنى من لديهم مصالح مع النظام أو لديهم نقص فى المعلومات-  أن النظام الحاكم يجتهد فى العمل لكن فى الاتجاه الخاطئ أو بمعنى أدق فى اتجاه الإفساد – لا الفساد- وفى اتجاه التوريث( يرجى متابعة التعديلات الدستورية الأخيرة 2006)، وفى اتجاه التفريط فى السيادة الوطنية( يرجى متابعة موضوع مشروع تفتيت مصر)

* أصبح واضحا أن شئون البلاد التى انحدرت إلى هذا السوء لا يديرها سوى تجمع يضم (4) عناصر على الأقل : أما أحدهم فهو ميت قد قارب الثمانين من عمره، والآخر مراهق سياسي بلغ الأربعين من عمره، وقد يلعب به بعض رجال الأعمال، والآخران كالأشباح لكن لا تخطئهما عين بصيرة فسفير الكيان الصهيونى، وسفير أمريكا ينامان وأعينهما قريرة ( وهذا ليس كلاما مرسلا وإنما نتائج للأحوال الفرط التى تعانيها بلادى)، وقد وضح ذلك من خلال عدة أحداث منها الإفراج عن عزام عزام الجاسوس الصهيونى، ومنها المشاركة اللوجستية غير المعلنة في الحرب الأمريكية على العراق، ومنها التوقيع على اتفاقية الكويز، وتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل، ومنها سيطرة رجال الأعمال على مناصب الوزراء والصحف المسماة بالقومية، ومنها زيارات نجل الرئيس لأمريكا لمباركة التوريث، ومنها الالتفاف على حماس فى فلسطين، ومنها أن النظام الحالى مولع بتأمين حكم مصر لنجله مهما كلفه ذلك من مشاق وتنازلات، ومنها أمور أخرى غير صالحة للنشر.

قلق شديد

المستقبل غامض لا ينبئ بانتقال آمن للسلطة، ولئن حدث فلا يضمن معه أحد استقرار الأوضاع الداخلية دون فوضى واضطرابات، وفى اعتقادى أن النظام يعيش فى أزمة أخذت تداعياتها تنهش فيما تبقى من هيبة واحترام لمكانة مصر لا سيما وأن ثمن التوريث سوف يدفعه فقراء الناس فى بلادى من قوتهم ومن مستقبل أولادهم عبر التنازلات الخطيرة التى ما يزال يمارسها ذلك النظام لا سيما – وكما عبر أحدهم من قبل – فإنه فى لحظات ضعف الدولة يتوحش دور القوى الدولية والإقليمية المهيمنة على تفاعلات الإقليم فى اختيار الرئيس المقبل، وإن أخشى ما يخشاه الغيورون فى ظل هذا العجز الداخلى سواء فى مؤسسات الدولة أو فى بنية الأحزاب، أو فى ظل الحراك السياسى المحدود لبعض الحركات الداعية للتغيير( على أحسن تقدير ظاهرة صوتية) أن يدرك الخارج أن الوالد ونجله ملفوظون داخليا فيبحثوا عن بديل يرعى مصالحهم لكنه يرتدى قناعا يخفى سوءته، وما النماذج المشبوهة فى العراق عنا ببعيد .

سيد يوسف

وصلات للموضوع

1

2

3

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مصر يحكمها موتى وأشباح”

  1. لك الله يا مصر،،

    سلمك الله وسلم بلادنا من كل سوء، وقيض لها من يقيلها من عثرتها، ويعيد لها مكانها ومكانتها اللائقة..

    تحياتي..

  2. الاموات يا عزيزي لا يضرون بل في حاجة اليك اما هؤلاء فحسبوا علي اظهارينا احياء لم يكفهم العبث في احوالنا وحيائنا وقلوبنا بل ولم يكفيهم انهم يكيلون لنا الفقر كيلا والزل كيلا بل تجرؤا علي الله ورسوله ودينه نعم واني والله لا اعلم ان كنت مسلما ام لا ولكن كيف يكون الحوار دائما كيف ولماذا لماذا الحجاب وكيف يشتم ويسب الرسول من قس مصري علي قناة الحياه كم رايت صورا وقرأة منطوقا نشتم ونسب في موسم التجمع لله والزل له ورجاء رحمته يا أخي لقد ظلمت الاموات

  3. التحليـل النفسـي لابـن الرئيـس

    ( في أوائل التسعينيات نشر السفير السوفيتي «فينو جرادوف» أجزاء من مذكراته عن الفترة التي قضاها في القاهرة في أواخر الستينيات، ومن أهم أجزاء هذه المذكرات ما أورده عن البحث النفسي، الذي قامت به السفارة لشخصية «أنور السادات» في عام 1969 لمعرفة الحالة النفسية لرجل مرشح لتولي الرئاسة، بعد جمال عبد الناصر، وتأثير الحالة علي قراراته وتوجهاته.

    أمامنا الآن جمال مبارك، لا باعتباره الرئيس القادم، كما يريد والده ووالدته، وجماعات رجال الأعمال.. حالة تستدعي تفسيرا نفسيا، يجيب عن مجموعة أسئلة: كيف ارتضي أن يمارس مهاما متعددة ويتم تصعيده سياسيا وهو يعلم أن الرأي العام يرفضه تماما؟ ماذا سوف يكون سلوكه وقراراته لو حدث المكروه ونفذ مبارك السيناريو الأسود الذي ينفيه إعلاميا، ويؤكده كل يوم بصلاحيات أكبر تعطي لابنه، ولعل آخر التأكيدات سفر جمال إلي واشنطن، ولقائه ببوش، وكذلك التعديلات الدستورية التي يتم التجهيز لها، والتي يؤكد المتابعون أنها ستمهد الأرض أكثر لجمال؟ هل يحب جمال الشعب المصري؟ كيف شاهد طفلا وهو في القصر إدارة والده للبلاد؟ وكيف انعكس هذا علي حالته النفسية؟!

    يشير د. جلال أمين، في كتابه «مصر في عهد مبارك»، الذي يصدر قريبا، إلي أنه مع بداية ظهور جمال مبارك في الحياة العامة، تولي رئاسة لجنة أختير لها اسم غريب، وهي «لجنة السياسات»، حتي يفهم الناس أنها يمكن أن تختص بأي شيء، وتستطيع أن تتخذ أي قرار.

    ويقول: ومن ثم فقد أصبح هذا الشاب المؤدب محدود الخبرة رئيسا للجميع، في الحقيقة، وقادرا علي اتخاذ أي قرار.

    ويضيف د. جلال أمين: هذا الشاب بريء ـ في رأيي من أي طموحات مبالغ فيها.. إنه يستمرئ بالطبع الحياة الهنية والمعيشة الرغدة ـ إذ أنه لم يتعود علي غير ذلك ـ ولابد أن «الأبهة» التي يحاط بها، والاحترام الذي يحرصون علي إظهاره له، قد لعب برأسه بعض الشيء، فهو في نهاية الأمر شاب لم يعترك الحياة كثيرا، ولا صادف في حياته من أمثال بالغة الدهاء، لكنني لا أظنه يستمرئ دور الديكتاتور، ولا بالطبع دور رئيس لجنة تتخذ القرارات باسمه، دون أن يكون هو في الحقيقة صاحبها.

    ويؤكد د. أمين أن الأرجح أن هذا الشاب مطلوب المحافظة عليه، حتي يتسلم منصبا أكبر، هو في الغالب منصب رئيس الجمهورية، عندما يحين الوقت.

    ويقول: قال لي أحد أصدقائي: إن جمال مبارك ظهر في التليفزيون أثناء اشتراكه في أحد التجمعات الحزبية، وأنه ألقي كلمة في الإشادة بالحزب الحاكم، واستخدم نبرة عالية في الكلام، وبدت علي وجهه علامات التشدد والحزم، بل ضرب بيديه بقوة علي المائدة، معبرا عن حماسه الشديد وصلابته.. إنني لم أر هذا المنظر في التليفزيون، لكنني أستطيع أن أتصور الدور الذي قام به ناصحو جمال مبارك ومستشاروه، في الوصول إلي هذه النتيجة.

    لابد أن هؤلاء الناصحين والمستشارين أقلقهم ما يبدو عليه جمال مبارك في صوره العديدة المنشورة في الصحف، من حزن وقلة المبالاة بالأمر برمته، فالابتسامة نادرة جدا، ومقتضبة، مهما حاول المصورون الظفر بها، والعبوس والتجهم لا يعكسان أي اهتمام حقيقي بما يناقش من قضايا، مهما حاول المصورون الإيهام بأنها تعكس تفكيرا عميقا في هذه القضايا.

    قرر هؤلاء المستشارون أنه من الضروري أن يغير جمال مبارك من طريقة كلامه في الاجتماعات العامة والمصورة، ولابد أن يزيد من درجة حماسه، ولو أدي هذا إلي الضرب بشدة علي المائدة التي أمامه.

    أصابني هذا الخاطر بالحزن، لا بسبب أن هذا كله يمكن أن يخدع أحدا، فالمصريون من الصعب جدا خداعهم بمثل هذه الأمور، لكن كان سبب الحزن يتعلق بمدي ما يمكن أن يصل إليه الضعف الإنساني من ناحية، وسوء الطوية من ناحية أخري.

    الدكتور محمد فريد، الذي حصل مؤخرا علي الدكتوراه في علم النفس، يقول: كان أول مشهد تتفتح فيه عينا جمال علي السياسة في بلده والعلاقة بين الشعب والسلطة، هو مشهد اغتيال الرئيس، وكان هذا عام 1981، حيث لا يعرف الكثيرون أن جمال مبارك كان موجودا بالمنصة لحظة اغتيال السادات، وشاهد والده بزيه العسكري ومنصبه الرفيع «نائب رئيس جمهورية» يجري ليختبيء تحت كرسي، ووابل من النيران ينطلق باتجاه المنصة.

    كان جمال حينئذ في الحادية والعشرين من عمره، والمؤكد أن هذا رسب في نفسه شعورا لا يمحي وهو أن هناك «أعداء» موجودين في نفس البلد.

    قبل هذا ربما كان شكل العلاقة بين والده والسادات، والحوارات التي كانت تدور في بيت مبارك بعد كل لقاء يجمعه برئيسه، مما أكد في ذهنه فكرة أن الحاكم في مصر «إله» علي الأقل، فلا أحد يراجعه، ولا أحد ينتقده، وحتي الهمس الذي يدور لا يقترب أبدا من أي مكاشفة.. إنه أقرب لـ «مؤامرة» تدار بها البلد، فما يقال في البيت غير ما ينشر في الصحف والإعلام.

    في هذه المرحلة أيضا شاهد جمال مبارك مستوي الصراعات في قمة السلطة، وكيف يمكن للرئيس أن يطيح بأكبر رأس في لحظة غضب، ولهذا فحينما جاء مبارك رئيسا استشعر جمال علي الفور أن هذا البلد ـ وتبعا لعلاقته بالرئيس الذي هو «بابا» ـ أصبحت وكأنها ممتلكات شخصية، ولعل هذا ما يفسر اتجاه جمال لدراسة الاقتصاد، فقد أدرك أنه لا سياسة بعد الآن وإنما البلد كلها مقبلة علي مرحلة الاقتصاد فيها هو المحرك الأساسي.

    كيف يمكن أن يشارك بقوة، خصوصا أنه شاهد أخيه «علاء» يمارس نفوذه علي أوسع نطاق، ولا أحد يجرؤ علي ذكر اسمه.

    هنا أنهي دراسته في الجامعة الأمريكية، وسافر إلي لندن، حيث عمل في بنك أوف أمريكان، ليستغرق أكثر في الابتعاد النفسي عن كل ما له علاقة بمصر.. هناك أدرك ـ بلا شك ـ ضآلة حجم مصر سياسيا، في ظل سياسات والده وأهميتها في نفس الوقت، لو اتخذت أي سياسة بعيدة عن التبعية لأمريكا و(إسرائيل) ولم يكن جمال حتي عودته من لندن يمتلك رؤية واضحة لمستقبله.. كان فقط متوثبا لدور عام بعد أن شاهد سلطات والده تتغول ووجد الشارع المصري لا يعارض، بل والأكثر أنه لا يدرك حقيقة ما يدور في بلده.

    هنا اجتمعت في شخصيته عدة صفات، جعلته يطمح لأن يمارس السياسة بوضوح، فهو أولا لم يتحدث في حياته مع أحد عارضه، ومن هنا انتقل إليه هذا الشعور الغامض بـ «البارانويان» ـ الإحساس غير الطبيعي وغير المبرر بالعظمة ـ فاسمه يسبق بـ «السيد» في الإعلام، وقيادات الحزب الوطني، علي الرغم من أي خلاف أو اختلاف، يعاملونه باعتباره الرئيس القادم، أو علي الأقل باعتباره ابن الرئيس، وكلتاهما تجعل رجل مثل زكريا عزمي يخاطبه «الأستاذ جمال»، بينما لا يتورع هو عن إعطاء الأوامر والنواهي له.. روح.. تعالي.. اعمل.. سوي.. وزكريا ينفذ، وهو ثانيا نشأ في ظل مرحلة سياسية معظم رموزها وأبطالها مصابون بـ «الكليبتومانيان ـ جنون السرقة ـ فليست هناك أي حدود فاصلة بين المال العام والمال الخاص.. ولا أي حدود حتي للثراء وتكديس الثروات.

    من هنا ركز جمال، بعد تصعيده لأمانة السياسات، علي خطاب اقتصادي بالأساس، يطمئن رجال الأعمال أكثر من غيرهم بمزيد من بيع القطاع العام، ومزيد من العلاقات الخاصة مع أمريكا، وبدأ في تعامله مع الناس كأنه يؤكد نظريته الطفولية، عن الأعداء الذين في الداخل، فلا حديث عن الفقر والبطالة ورفع المعاناة عن الناس سوي بجمل مقتضبة باردة.

    د. فريد قال: إن جمال تتنازعه الآن مشاعر متناقضة جدا، تجعل سلوكه هكذا، مضطرب، وقلق، وغير واثق في أي شيء، مثلا مشاعره تجاه والده.. هو بلا شك يحبه إنسانيا، لكنه سياسيا يتململ من حضوره الكثيف العجوز الذي لايزال يمسك بأسرار ومقاليد خفية لا يعرف عنها جمال شيئا، وكذلك مشاعره تجاه بقية أفراد أسرته، فهو يحب والدته، لكنه في الوقت نفسه مستاء، لأن دورها في تصعيده لم يصل حتي الآن للضغط القوي من أجل جعله «نائبا للرئيس»، وكذلك الحال بالنسبة لمشاعره تجاه الصحافة والإعلام.

    هو لا ينزعج من الهجوم عليه، لأن فترة إقامته في لندن جعلته يري الهجوم علي رئيس الوزراء أو الملك شيئا يوميا، لكنه في الوقت نفسه يشاهد انزعاج وتحريض قيادات الدولة الشائخة ضد التجاوزات و«قلة الأدب»، و«السفالة» التي يوجهها الصحفيون والكتاب لحكم يصفونه بمنتهي البساطة بأنه «فاسد تماما».

    هذا الاضطراب كله ينعكس علي جمال وهو يواجه الإعلام، فهو لا يعرف نفسه يتحدث مع من، ولا يستطيع قياس ردود الفعل علي كلامه، وكل من حوله لا يفعلون شيئا سوي تجميده وحضه علي مواصلة الطريق.

    إن كل هذه التأثيرات «نظرته للناس علي أنهم أعداء الداخل»، و«نشوئه في عصر كانت السرقة هي القيمة الأساسية فيه»، ثم «إحاطته الدائمة بمجموعة من عديمي الرأي والقيمة»، ثم مع هذا كله «طموحه لأن يستمر في طريقه إلي الرئاسة»، جعلت من جمال مبارك شخصا مرتبكا، لا يثق في نفسه ولا في أي شيء، شخصا مضطربا يستحق فعلا العلاج، حتي يهدأ ويعرف حجمه، ولماذا هو موجود في مناصبه، كما يستحق أن يعرف ـ بالعلاج ـ قيمته الأساسية، بعيدا عن كل هذه الظروف المأساوية التي وضع فيها، والتي جعلت مستقبله مظلما أمامه، ولا يطمئن فيه إلي شيء سوي المال، ورجال الأعمال، وجماعات المنتفعين.

  4. اللهم ارحم شعب هذه الأمة المطحون

    الذي ليس له أي مطالب فيها سوى أن يجد لقمة العيش ويعيش في سلام

    وليحكم من يحكم .. ولكن يحكم بالحق والعدل والسلام

    تحياتي لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول