تزييف العقل العربى بثقافة الاستلاب
سيد يوسف
تمهيد
كتب هذا المقال منذ عدة سنوات قبيل انتخابات الرئاسة المصرية 2005 وظن المرء أن أحوالنا السياسية قد تسير نحو الأحسن لولا أن الوهم كان هو سيد الموقف فما تزال أحوالنا الفرط كما هى وما تزال أمراضنا الاجتماعية والفكرية كما هى، وها قد فرضت أحوالنا السياسية على كاتب المقال أن يعيد نشر ما سبق فى أجواء مشابهة لما هو كائن مع بعض التعديل حسبما يقتضيه المقام …كانت هذه المقدمة بمثابة اعتذار للقارئ المتابع وبمثابة أمل يرجو صاحبه أن تفيد منه أمتنا والله من وراء القصد.
إذا أردت شراء قميص فلماذا تذهب إلى محل لا يعرض سوى نوع واحد من القمصان، فى حين يبعد عنك قليلا كثرة من المحلات التى تعرض أنواعا متعددة وبألوان متباينة وبنفس الأسعار؟
لماذا تحرم نفسك من عدة خيارات بسبب الكسل؟ أو بسبب الخوف من التجربة؟ أو بسبب استمراء الواقع؟وكأن لسان حالك (ليس فى الإمكان أبدع مما هو كائن )!
هكذا الاستلاب…فكيف هو إذن؟ وما مجاله؟ وكيف نفهمه؟ وكيف نسيطر عليه؟ هذه تساؤلات مهمة سوف نعرض لها ههنا.
بداية استعمالنا لكلمة ثقافة ههنا هو استعمال مجازى يهدف إلى أن تلك الممارسات السلوكية التى نقوم بها أصبحت تمثل أشبه ما يكون بالعادة الاجتماعية الراسخة لدى قطاعات كثيرة من المجتمع مما يرجح استعمالنا لكلمة ثقافة ههنا ولو مجازا أو مؤقتا .
ويقصد بثقافة الاستلاب:
العجز عن رؤية البدائل المطروحة وكأنك تتساءل فى دهشة ما الذى يفعله هؤلاء بأنفسهم؟ ما الذى سلبهم حق الاختيار من تلك البدائل المطروحة أمامهم؟ هل أصابهم ما يشبه التنويم المغناطيسى فسلبوا القدرة على الرؤية ؟ كيف تم استلاب إرادتهم هكذا؟ كيف انغلقوا على رؤية واحدة جامدة ؟
تساؤلات توضح المفهوم:
كيف صاروا صرعى رؤية واحدة تستبد بهم فلا يرون غيرها؟ لماذا يشعرون بالأمان مع المألوف لديهم ولسان حالهم ( اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش)؟ لماذا يدافعون- بغباوة رائعة -عن أوضاع فيها هلاكهم وضياعهم السياسى والاجتماعي؟ لماذا يشعرون بالاضطرار للكذب على أنفسهم وخداعها…؟ لماذا تمر جرائم الوطن عليهم دون اهتمام أو حساب؟ لماذا يبحثون دوما عن كبش الفداء…لتبرير واقعهم ؟ لماذا يختزلون حل مشكلات الوطن الكبرى فى أشخاص معدودين…دون النظر إلى أبعاد المشكلة وأسبابها الحقيقية؟؟
أى قوة تلك التى سلبتهم الرؤية السليمة ؟ لماذا يسود فيهم إحباط شديد الوطأة فيخشون من مجرد فكرة التغيير؟ لماذا يسود فى حوارا تهم جو عام من الإحباط والشكوى وتبرير الوضع القائم؟هل هو خشية التغيير؟ هل هو استمراء الوضع الراهن؟هل هو الجبن والخوف؟!!
مثال(1):
فى انتخابات الرئاسة المصرية 2005 لم يجد الناس إلا المرشح القائم بالفعل على حكم البلاد بمصر انطلاقا من قاعدة ( اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش)، فما الذى أدى بالناس إلى ذلك؟
سيادة جو الإحباط الذى مورس بتعمد واستمرار بحيث صارت رؤية قطاع عريض من الناس للأحداث بأنه لا تغيير:..وللأشخاص باستحالة تغييرهم…بل وباليأس التام حتى صار هذا اليأس عاما بين قطاع عريض من طبقات المجتمع…بل وصل هذا الإحباط مداه حين فقد الناس-كثير منهم- القدرة على التصور الإيحابى على تحقيق تغيير نحو الأفضل أو حتى تحقيق ايجابيات ولو جزئية، وقد يتحول أمر اليأس وإحباط الآخرين إلى نوع من التعود الذى يشبه الإدمان وكأنه لا يرى إلا كل ما هو قاتم.
وما الذى أدى إلى هذا الإحباط العام؟
هذا تساؤل يفرض نفسه…لا شك أن الأزمات والمشكلات المزمنة قد ساهمت فى تعميق الشعور العام بالإحباط واليأس وساعد على ذلك أكثر كتابات المثقفين وتعميماتهم الانفعالية فى الوصف بدلا من معالجتهم الموضوعية بل واستغراقهم فى وصف الأوضاع المحبطة (يستخدمون ما يسمى بالمنهج التفكيكى للأزمات) مما ساهم فى خلق جو عام من الشعور باليأس والإحباط بل وتأسيس ما يسمى مجازا بثقافة الاستلاب التى بنيت على تفكيك ماضي الأمة …مما أدى بالتالي إلى وجود ما يشبه الفراغ المعرفى وسيادة روح الشك فى كثير من الأمور السائدة على الساحة سواء العربية أو الإسلامية.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ